تحل اليوم الأربعاء، ذكرى ميلاد "مجدد القرن" وصاحب الخواطر الإيمانية التي مست قلوب الملايين، فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي وُلد في مثل هذا اليوم من عام 1911 بقرية "دقادوس" بالدقهلية.
ويمثل الشعراوي حالة فريدة في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث نجح بعبقريته اللغوية وبساطته المعهودة في تقريب معاني القرآن الكريم للعامة والنخبة على حد سواء، ليصبح "نور على نور" في سماء الفكر الإسلامي.
نشأة إمام الدعاة.. من "كتّاب القرية" إلى حقيبة الأوقاف
بدأت رحلة الشيخ الشعراوي مع القرآن مبكراً، حيث أتم حفظه في سن الحادية عشرة، ليلتحق بعدها بالأزهر الشريف ويتخرج في كلية اللغة العربية عام 1941. تدرج الإمام في المناصب العلمية بين مصر والسعودية والجزائر، حتى وصل إلى سدة العمل التنفيذي بتوليه منصب وزير الأوقاف عام 1976. وخلال مسيرته، أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات خالدة، منها "تفسير الشعراوي"، "المرأة في القرآن"، و"معجزة القرآن"، لينال أرقى الأوسمة والجوائز مثل وسام الجمهورية والدكتوراه الفخرية.
"خواطر الشعراوي".. الثورة التي جعلت التفسير في كل بيت
ارتبط اسم الإمام ببرنامج "خواطر الشعراوي" الذي بدأ في أواخر السبعينيات، محققاً طفرة إعلامية ودعوية غير مسبوقة. وبأسلوبه السلس، استطاع الشيخ تبسيط أعقد القضايا الفقهية واللغوية، مما جعل موعد عرضه حدثاً ينتظره الملايين عبر الإذاعة والتليفزيون.
وعُرف الشيخ بوسطيته التي جمعت بين أصالة التراث ومتطلبات العصر، مما جعله حائط صد ضد الأفكار المتطرفة، ومرجعاً وطنياً ودينياً للأمة العربية والإسلامية.
لغز النوم في مكة والمدينة.. تفسير روحاني فريد
وفي خواطره الإيمانية، فسر الشيخ الشعراوي ظاهرة يلاحظها الحجاج والمعتمرون، وهي الشعور بالراحة والنشاط رغم النوم لساعات قليلة في الحرمين.
وأوضح الإمام أن "النوم في مكة والمدينة يختلف عن أي مكان آخر"، مفسراً ذلك بأن ذنوب العبد هناك تكون أقل، مما يجعل الإنسان يعيش "هدنة تعايش" إيمانية، فتنام عيناه ولا ينام قلبه المستغرق في طاعة الله، فلا تكل جوارحه من العبادة.
الساعات الأخيرة: "أهلاً سيدي أحمد.. أنا جايلكم"
روى نجل الإمام، الشيخ عبد الرحيم الشعراوي، تفاصيل مؤثرة عن اللحظات الأخيرة في حياة والده، مشيراً إلى أن الشيخ اعتزل العالم قبل وفاته بـ 18 يوماً، وطلب منه تجهيز ترتيبات الجنازة بنفسه وبثبات. وفي يومه الأخير، طلب الشيخ الاستحمام ولبس ملابس جديدة تماماً، طالباً من أبنائه تركه بمفرده قائلاً: "عايز أقعد مع ربنا شوية".
وعن لحظة خروج الروح، كشف نجله أن الشيخ نظر للسماء بابتسامة قائلًا: «أهلاً سيدي أحمد.. أهلاً سيدي إبراهيم.. أهلاً السيدة زينب.. أهلاً والله أنا جايلكم.. أنا أستاهل كل ده؟»، ثم نطق بالشهادتين وفاضت روحه إلى بارئها في 17 يونيو 1998، تاركاً إرثاً دعوياً سيظل محفوراً في وجدان الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة.