"من رحم المعاناة يولد الأمل".. عبارة لم تكن مجرد شعار، بل كانت واقعاً عاشته السيدة فايزة أبو الحمد أحمد (61 عاماً)، التي توجت بلقب الأم المثالية الأولى على مستوى محافظة الإسكندرية لعام 2026. هي حكاية سكندرية بطلتها امرأة رفضت الاستسلام لمرارة الترمل، وقررت أن تصارع أمواج الحياة لترسو بأبنائها على شاطئ النجاح.
نقطة التحول.. رحيل السند ومواجهة المجهول
بدأت فصول الملحمة عام 2005، حين داهم مرض السرطان زوجها (الذي كان يعمل محامياً)، ليرحل عن عالمنا في عام 2006 تاركاً خلفه طفلين في عمر الزهور (9 و12 عاماً). وجدت السيدة فايزة نفسها فجأة أمام مسؤولية جسيمة بدخل شهري لا يتجاوز 250 جنيهاً، وهو مبلغ لم يكن يكفي حتى لسد الرمق، لكنها اتخذت قرارها التاريخي: "لن ينكسر هذا البيت".
رحلة العمل الشاقة: 3 وظائف في وقت واحد
لم تكتفِ "بطلة الإسكندرية" بوظيفة واحدة، بل خاضت رحلة مضنية عملت خلالها في ثلاث وظائف مختلفة في آنٍ واحد؛ فبين إعطاء الدروس البسيطة، والعمل في الحضانات، والمهام الإدارية المؤقتة، كانت تتنقل يومياً لتوفير نفقات التعليم والمعيشة. استمرت لسبع سنوات كاملة تعمل بنظام "اليومية" براتب زهيد، مؤمنة بأن عرق الكفاح هو الثمن الوحيد لمستقبل أبنائها.
طموح لا يعرف السن: من الكفاح إلى الماجستير
بجانب دورها كأم، لم تتخلَّ فايزة عن شغفها بالعلم؛ فقررت تطوير وضعها الوظيفي والاجتماعي عبر استكمال دراساتها العليا. وبالفعل، حصلت على درجة الماجستير في الاقتصاد وإدارة الأعمال الزراعية، وهو ما مهد الطريق لتعيينها الحكومي في عام 2014، لتثبت أن العمر والمحن لا يقفان حائلاً أمام الطموح الأكاديمي.
حصاد السنين: مهندس وعالمة وأمنية أخيرة
اليوم، تقف الأم المثالية بالإسكندرية فخورة بما حققته، بعدما رأت أبناءها في أعلى المراتب:
الابنة الكبرى: تخرجت في كلية العلوم وتزوجت لتكوّن أسرة صالحة.
الابن الأصغر: تخرج في كلية الهندسة ليبدأ حياته العملية بثبات.
ومع اقترابها من سن التقاعد، وبناءً على إلحاح زملائها، قدمت قصتها للمسابقة لتنال التكريم الذي تستحقه. وتختتم فايزة حديثها بابتسامة رضا قائلة: «تعب السنين راح لما شفتهم واقفين على رجليهم، ونفسي دلوقتي أزور بيت الله الحرام وأطلع عمرة».