في وقت لم يعد فيه نفوذ دول الخليج العربي مقتصرًا على إنتاج وتصدير النفط، تبرز هذه الدول كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي عبر شبكة استثمارات ضخمة تديرها صناديق الثروة السيادية، تُقدّر قيمتها بنحو 5 تريليونات دولار، موزعة على مختلف الأسواق والقطاعات حول العالم.
وفي هذا السياق، أكد ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، أن التأثير الخليجي يتجاوز بكثير حدود الطاقة، مشيرًا إلى أن أي تراجع في انخراط هذه الدول اقتصاديًا على المستوى الدولي ستكون له تداعيات مباشرة تمس الاقتصادات العالمية وحياة الأفراد.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت دول الخليج استثماراتها في قطاعات متنوعة، من بينها الأمن الغذائي والمعادن الحيوية في أفريقيا، إلى جانب مشاريع التحول في الطاقة، بإجمالي إنفاق تجاوز 100 مليار دولار خلال العقد الماضي، كما برز دورها في ما يُعرف بـ"دبلوماسية الإنقاذ"، عبر تقديم حزم دعم مالي واقتصادي لدول تعاني أزمات، شملت مصر وسوريا ولبنان وقطاع غزة.
غير أن اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير الماضي ألقى بظلال ثقيلة على هذه الاستراتيجية، إذ دفعت التطورات العسكرية والأمنية العديد من دول الخليج إلى تقليص إنتاج وتصدير النفط والغاز، وسط استهداف للبنية التحتية الحيوية وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وبحسب تقديرات شركة "أكسفورد إيكونوميكس"، من المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج إلى 2.6% خلال العام الجاري، وهو أقل من التوقعات السابقة، في ظل تداعيات الحرب.
وتشير تحليلات إلى أن تأثير الأزمة لن يكون متساويًا بين دول الخليج، حيث تمتلك كل من السعودية وسلطنة عمان بدائل لتصدير النفط قد تخفف من حدة الصدمة، في حين تواجه دول مثل البحرين والكويت وقطر تحديات أكبر نتيجة محدودية البدائل.
كما ألقت الحرب بظلالها على خطط التنويع الاقتصادي، إذ تأثرت قطاعات حيوية مثل السياحة والعقارات والتكنولوجيا، بالتزامن مع تراجع ثقة المستثمرين وتذبذب الأسواق المالية، فضلًا عن الخسائر المحتملة جراء إغلاق المجال الجوي، والتي قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.
وفي ظل هذه المتغيرات، يرى خبراء أن دول الخليج قد تتجه إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية وقدرات الصمود، بما يشمل الأمن الغذائي وتطوير مسارات تصدير بديلة، إلى جانب زيادة الإنفاق على الدفاع والأمن وإعادة الإعمار.
من جانبه، أشار تيم كالين، الخبير في اقتصاديات الخليج، إلى أن التأثيرات قصيرة الأجل تبدو سلبية بوضوح، بينما يظل المسار طويل الأجل مرهونًا بمدة الصراع وتطوراته، لافتًا إلى أن قوة المراكز المالية لصناديق الثروة السيادية قد تحدّ مؤقتًا من انعكاسات الأزمة على الاستثمارات الخارجية.