مرضى يروون معاناة الانتظار.. الألم يزداد والحالة لا تحتمل التأجيل
إدارة المعهد: تشغيل كامل للأقسام ورفض التحويل لمستشفيات أخرى يزيد الضغط على المنظومة
أزمة العلاج على نفقة الدولة.. إجراءات إلكترونية دقيقة لكنها بطيئة التنفيذ
نقص الأدوية وطول قوائم الانتظار لجراحات الكلى والمسالك.. مشكلات متكررة
رقابة داخلية ولجان جودة ومكافحة عدوى لمتابعة الأداء بشكل يومي
تحقيق - آية غنيم :
في ممرات تضج بالحركة، ووجوه تحمل مزيجًا من الأمل والقلق تتجسد يوميًا داخل المعهد الطبي القومي بدمنهور حكايات إنسانية لا تنتهي. مرضى ينتظرون دورهم في العلاج، وأطباء يسابقون الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبين هذا وذاك تتشابك تفاصيل المشهد بين ضغط الإمكانيات وتزايد الاحتياج.
وفي إطار استكمال سلسلة التحقيقات التي يرصد فيها "الخبر لايف" واقع المعهد من الداخل، نقترب أكثر من كواليس الإدارة لنستمع إلى ردود المسؤولين حول أبرز الشكاوى التي رصدها التحقيق من تكدس الأقسام إلى قوائم الانتظار، ونقص الأدوية، وصولًا إلى تقييم مستوى الخدمة وآليات الرقابة.
ضغط متزايد على المعهد من محافظات متعددة
في هذا السياق، أوضح الدكتور طلال مغازي، نائب مدير الشئون الفنية، أن المعهد يشهد ضغطًا متزايدًا نتيجة استقبال أعداد كبيرة من المرضى ليس فقط من دمنهور، بل من مراكز ومحافظات مجاورة وهو ما يضع عبئًا كبيرًا على مختلف الأقسام خاصة الحيوية منها مثل العناية المركزة والحضّانات.
قوائم انتظار تتجاوز 2000 حالة في جراحات المسالك والكلى
وبالانتقال إلى واحدة من أبرز الأزمات التي رصدها التحقيق، وهي قوائم الانتظار خاصة في قسم المسالك البولية وعمليات حصوات الكلى ومناظير الكلى، أكد مغازي أن هذه المشكلة تمثل تحديًا حقيقيًا مشيرًا إلى أن عدد الحالات المسجلة على قوائم الانتظار يصل إلى نحو ٢٠٠٠ حالة.
وأوضح أن المعهد يعمل بكامل طاقته لمواجهة هذا الضغط حيث تُجرى العمليات بشكل يومي ولمدة ستة أيام أسبوعيًا مع تشغيل غرف العمليات والأجهزة بأقصى قدرة إلى جانب توافر الكوادر الطبية.
وأضاف أن جزءًا من هذا الضغط يعود إلى تحويل حالات من المدن الطبية المتخصصة في القاهرة ما يزيد من حجم العبء على المعهد مؤكدًا أن الفرق الطبية تعمل بقوائم عمليات كاملة يوميًا.

شهادات مرضى.. الألم والانتظار يسيطران على المشهد
وفي المقابل، تعكس شكاوى المرضى حجم المعاناة اليومية مع قوائم الانتظار حيث تقول "م.غ"، إحدى المريضات: "أنا بقالى فترة مستنية دورى فى عملية حصوة على الكلى، والألم بيزيد يوم عن يوم، وكل ما أسأل يقولولى استنى الدور. قالولى ممكن أتحول مستشفى تانى، بس أنا رفضت.. لأنى واثقة فى المعهد والدكاترة هنا ومش ضامنة نفس الإمكانيات بره"، وأضافت: "أنا مقدرة إن في ضغط بس الوجع صعب وكل يوم تأخير بيبقى أصعب".
وفي شكوى أخرى، يقول "أ.ح": "والدى على قائمة انتظار من شهر تقريبًا، وكل ما بسأل يقولولى لما يجى دورك هنتصل بيك.. حالة والدى حرجة ومش قادر ينتظر أكتر من كدا"، في إشارة إلى ما تمثله فترات الانتظار الطويلة من عبء نفسي وصحي على المرضى وذويهم.
الإدارة: محاولات لتخفيف الضغط وتحويل بعض الحالات
ومن جانبه، أوضح الدكتور طلال مغازي، نائب مدير الشئون الفنية، أن الإدارة تسعى بالفعل لتخفيف هذا الضغط من خلال التنسيق مع غرفة الرعاية الحرجة لنقل بعض الحالات إلى مستشفيات أخرى لتلقي العلاج بالمجان إلا أن عددًا كبيرًا من المرضى وذويهم يرفضون التحويل تمسكًا بالعلاج داخل المعهد لما يتمتع به من إمكانيات وتجهيزات وثقة في الأطقم الطبية.
وأشار إلى أن هذا الرفض، رغم وجاهة أسبابه، يسهم في زيادة الضغط على قوائم الانتظار التي تضم أعدادًا ضخمة ما يضاعف من حجم التحدي ويجعل المرضى عالقين بين التمسك بالعلاج داخل المعهد وطول فترات الانتظار وهو ما يطرح تساؤلات حول القدرة على تحقيق التوازن بين تزايد الطلب والإمكانات المتاحة.
العلاج على نفقة الدولة.. منظومة دقيقة وإجراءات مطولة
وفيما يتعلق بخدمة العلاج على نفقة الدولة أشار مغازي إلى أن المعهد يُعد من الجهات الرئيسية التي تقدم هذه الخدمة ما يجعله يستقبل أعدادًا ضخمة من المرضى يوميًا.
وأوضح أن جميع الإجراءات تتم وفق تعليمات الدولة، من خلال تسجيل كل حالة وكل دواء على النظام الإلكتروني بما يضمن الشفافية لكنه في الوقت نفسه يستغرق وقتًا طويلًا نسبيًا. وكشف أنه اقترح إنشاء منفذ مستقل لصرف العلاج على نفقة الدولة لتخفيف الضغط عن الأقسام وتسريع الإجراءات خاصة في ظل الإقبال الكبير من داخل وخارج المحافظة.

وفي المقابل، يقول "ع.ك"، أحد المواطنين: "قدمت ورقى للعلاج على نفقة الدولة، ومن ساعتها مستنى.. كل شوية أسأل يقولولى لسه الإجراءات ومش عارف هتخلص إمتى رغم إن الحالة محتاجة علاج بسرعة".
ومن جانبها، أوضحت إدارة المعهد أن المريض يتقدم بالفعل بأوراقه إلى قسم الشئون الاجتماعية حيث يتم تسجيله وإعطاؤه رقم ليتولى موظف الشئون استكمال باقي الإجراءات ومتابعتها بدلًا من المريض حتى الانتهاء منها والتواصل معه.
إلا أن الإدارة أقرت بأن ضغط الأعداد الكبير على هذه المنظومة يؤدي إلى تأخر ملحوظ في إنهاء الإجراءات وهو ما ينعكس على سرعة حصول المريض على العلاج.
تقييم الخدمة.. مؤشرات رقمية وشكاوى قائمة
أما عن تقييم مستوى الخدمة فأكد أن الإدارة تعتمد على مؤشرات أداء رقمية يتم من خلالها قياس حجم الإنجاز داخل كل قسم موضحًا أن تحقيق نسب قريبة من المستهدف يُعد مؤشرًا إيجابيًا.
وأشار إلى أن تراجع شكاوى المرضى يمثل علامة مهمة على تحسن الأداء لافتًا إلى أن المعهد يشجع المرضى على تقديم الشكاوى ويوفر لذلك آليات متعددة من بينها خطوط ساخنة، ونظام "QR Code"، إلى جانب لجان ميدانية تمر على الأقسام لقياس مدى رضا المرضى.

نقص الأدوية.. بين التوريد والمستودعات
وبالحديث عن ملف نقص الأدوية، أوضح أن الإدارة تتعامل معه من خلال مراجعة دقيقة لكل حالة حيث يتم الرجوع للطبيب المعالج والصيدلية للتأكد من توافر الدواء، وتحديد سبب النقص إن وجد.
وأكد أن المعهد يلتزم بالشفافية في إبلاغ المرضى بحقيقة توافر الأدوية مشيرًا إلى أن الأزمة قد تكون أحيانًا نتيجة نقص في التوريد من الجهات المختصة بينما يُعد عدم صرف دواء متوفر خللًا إداريًا يتم التعامل معه بحزم.
وفي المقابل، يشير "م.ح" إلى معاناة مماثلة، قائلًا: "والدى عامل عملية والدكاترة بيكتبوله أدوية مهمة وغالية بناءً على حالتُه لكن لما بنروح نصرفها من صيدلية المعهد مش بنلاقيها وبنضطر نشتريها من بره بتكلفة كبيرة، رغم إن المفروض تكون متوفرة".
ومن جانبه، أوضح الدكتور طلال مغازي أنه في حال ورود شكوى بشأن نقص دواء يتابع الأمر بنفسه للتأكد من عدم توافره داخل مستودعات المعهد بالكامل والتحقق من أن الدواء تم طلبه بالفعل من الجهات المختصة وأن سبب عدم توافره يرجع إلى نقص في التوريد من الوزارة.
وأشار إلى أنه يتم إبلاغ المريض بحقيقة الوضع بشفافية لافتًا إلى أن ردود الأفعال تختلف فهناك من يتفهم الأمر، وآخرون يعتقدون أن المعهد يتعمد عدم صرف العلاج وهو ما نفاه تمامًا.
وشدد على أن دور المعهد قائم بالأساس على تخفيف العبء عن المواطن، وليس زيادته، مؤكدًا أن "المهنة في جوهرها إنسانية من الدرجة الأولى"، وهو ما يحكم طريقة التعامل مع المرضى داخل المعهد.
ورغم التأكيدات المتكررة على الالتزام بالشفافية وتوضيح أسباب النقص يظل المريض في النهاية هو الحلقة الأضعف بين منظومة توريد لا تصل دائمًا في موعدها وحاجة علاجية لا تحتمل التأجيل وهو ما يعيد طرح سؤال العدالة في الوصول إلى الدواء في الوقت المناسب.

الرقابة الداخلية.. منظومة قائمة وتحديات مستمرة
وفي سياق متصل، شدد مغازي على أن المعهد يعتمد على منظومة رقابة داخلية متكاملة تشمل لجان السلامة والصحة المهنية، وفرق الجودة ومكافحة العدوى، التي تقوم بالمرور اليومي على الأقسام.
وأضاف أن هناك هيكلًا إداريًا واضحًا يضم مديرين لكل قسم ومبنى يتابعون سير العمل بشكل مستمر لضبط الأداء ورصد أي مشكلات بشكل فوري.
ورغم ما يوضحه مسؤولو المعهد من وجود منظومة رقابية متعددة المستويات تعمل بشكل يومي داخل الأقسام فإن الصورة التي تعكسها شكاوى المرضى تظل أكثر تعقيدًا حيث يبدو أن كثافة الأعداد وضغط التشغيل قد يحدّان أحيانًا من الأثر المباشر لهذه المتابعات على تجربة المريض اليومية. وبين آليات رقابة قائمة وجهود تشغيل مستمرة تبقى فعالية هذا النظام مرهونة بقدرته على تقليل الفجوة بين ما يُدار داخل الهيكل الإداري وما يعيشه المترددون على المعهد على أرض الواقع.
وفي النهاية، يبقى المعهد الطبي القومي بدمنهور أمام معادلة صعبة بين ضغط أعداد متزايدة من المرضى وإمكانات تحاول أن تلاحق هذا الضغط قدر المستطاع وبين منظومة علاجية تسعى لتقديم الخدمة وفق إجراءات وقواعد تنظيمية دقيقة.
ورغم ما تؤكده الإدارة من جهود تطوير ورقابة مستمرة وما تبذله الأطقم الطبية من عمل متواصل تظل شكاوى المرضى شاهدًا حاضرًا على تحديات يومية لا يمكن تجاهلها خاصة في ملفات حساسة مثل قوائم الانتظار ونقص الأدوية وطول إجراءات العلاج على نفقة الدولة.
وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة الأهم أن المريض لا يبحث عن تفسيرات إدارية بقدر ما يبحث عن خدمة تصل في الوقت المناسب وهو ما يجعل تطوير المنظومة الصحية ليس خيارًا، بل ضرورة مستمرة لضمان ألا يتحول الانتظار إلى عبء يفوق قدرة المريض على الاحتمال.
