الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
تحقيقات وتقارير 6 6 دقيقة visibility 31

طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟

schedule
طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟
تحقيق يكشف التأثير الخفي للشاشات على الأطفال، بعدما تحولت الهواتف إلى وسيلة دائمة لتهدئتهم وإشغالهم داخل البيوت. ويرصد شهادات أمهات وتحذيرات متخصصين من مخاطر الإفراط في استخدام الموبايل على الصحة النفسية والسلوكية للأطفال.

الهاتف يهدئ البكاء... ويعزل الطفل عن العالم

دراسات عالمية تحذر من مخاطر الإفراط في استخدام الهواتف

أمهات يروين تجارب صادمة مع تعلق الأبناء بالموبايل

متخصصون: الاستخدام المفرط يؤثر على النمو النفسي والسلوكي

كيف تحمي الأسرة أبناءها من إدمان الشاشات؟

 

تحقيق: آية غنيم

وسط صراخ متواصل ودموع لا تتوقف، حاولت أم تهدئة طفلتها الصغيرة، التي لم يتجاوز عمرها أربع سنوات، قبل أن تستسلم في النهاية وتضع الهاتف المحمول بين يديها. وفي لحظات، اختفى البكاء تمامًا، وعمّ الهدوء أرجاء المكان، بينما جلست الطفلة تحدق في الشاشة بعينين ثابتتين، تتابع مقاطع الفيديو بانفصال كامل عن العالم حولها.

مشهد أصبح يتكرر يوميًا داخل كثير من البيوت، بعدما تحول الهاتف المحمول من وسيلة تسلية مؤقتة إلى رفيق دائم للأطفال، يسرق انتباههم تدريجيًا، ويثير مخاوف متزايدة حول تأثيره على صحتهم النفسية والسلوكية، وقدرتهم على التواصل الطبيعي مع من حولهم.

أرقام مقلقة وتحذيرات عالمية

في الوقت الذي أصبح فيه الهاتف المحمول وسيلة سهلة لإلهاء الأطفال وتهدئتهم، دقت دراسات وتقارير طبية عالمية ناقوس الخطر بشأن الإفراط في استخدام الشاشات بين الصغار.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم تعرض الأطفال أقل من عامين للشاشات نهائيًا، وألا يزيد استخدام الأطفال من عمر عامين إلى خمس سنوات على ساعة واحدة يوميًا فقط.

إلا أن الواقع يكشف أرقامًا مقلقة، إذ أظهرت دراسات حديثة أن أكثر من 59% من الأطفال بدأوا استخدام الشاشات قبل سن الثالثة، بينما يقضي بعض الأطفال ما يصل إلى 7.5 ساعات يوميًا أمام الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

كما ربطت أبحاث نفسية شملت مئات الآلاف من الأطفال حول العالم بين زيادة وقت الشاشة وارتفاع معدلات القلق والعصبية، وضعف التفاعل الاجتماعي، واضطرابات النوم، وتراجع التركيز والتحصيل الدراسي، وسط تحذيرات متزايدة من تأثير الشاشات على النمو النفسي والسلوكي للأطفال في سنواتهم الأولى.

طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟ - 1000626574
الأمهات بين ضغوط الحياة والخوف على الأبناء

ورغم التحذيرات الطبية المتكررة، ترى كثير من الأمهات أن الهاتف المحمول أصبح وسيلة شبه أساسية لتهدئة الأطفال وإشغالهم وسط ضغوط الحياة اليومية، خاصة مع صعوبة السيطرة على الطفل أو توفير بدائل دائمة للترفيه.

وبين الرغبة في إسكات نوبات البكاء والخوف من تأثير الشاشات على سلوك الأبناء، تروي أمهات تجاربهن مع تعلق أطفالهن بالموبايل، والتغيرات التي لاحظنها بعد ساعات طويلة من استخدامه.

“مقطع غير أخلاقي”.. بداية أزمة نفسية لطفلة صغيرة

روت (أ.ع)، إحدى الأمهات، موقفًا وصفته بـ”المؤلم” مع طفلتها ذات الأربع سنوات، قائلة إنها لاحظت أثناء استخدام الطفلة للهاتف تعرضها لمقطع غير أخلاقي، ما دفعها للانفعال والصراخ في وجهها.

وأضافت أنها اكتشفت لاحقًا أن رد الفعل العنيف ترك أثرًا عكسيًا لدى الطفلة، حيث ثبتت لديها المعلومة بشكل خاطئ، وأصبحت أكثر فضولًا للبحث والمشاهدة، لتبدأ رحلة علاج نفسي وسلوكي ما زالت مستمرة حتى الآن.

طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟ - 1000626576
“حل سريع” داخل البيوت

وأضافت أم أخرى، (ب.م)، أن المشكلة تبدأ من داخل البيوت نفسها، موضحة أن كثيرًا من الأمهات يلجأن إلى الهاتف كحل سريع لإسكات الأطفال وإنجاز المهام اليومية دون إزعاج.

فيما أشارت (ر.م) إلى أن الأطفال باتوا يقضون وقتًا أطول أمام الشاشات، سواء في مشاهدة المقاطع القصيرة أو الألعاب الإلكترونية، لدرجة أصبح معها من الصعب إبعادهم عنها.

الشاشات تهدد صحة الأطفال

كما لفتت (ن.أ) إلى تجربة مختلفة أثارت قلقها، بعد اكتشاف إصابة ابنها بمشكلة في النظر، مؤكدة أن الطبيب أرجعها إلى الاستخدام المفرط للموبايل، وأن الطفل أصبح الآن يرتدي نظارة طبية، مع استمرار المتابعة لاحتمالية الحاجة إلى تدخل علاجي مستقبلًا.

متخصصون: الاستخدام اليومي قد يتحول إلى “إدمان”

ومع تزايد هذه الشهادات من داخل البيوت، تتجه الأنظار إلى المتخصصين في الصحة النفسية لفهم أعمق لما يحدث داخل سلوك الأطفال، وكيف يمكن أن يتحول الاستخدام اليومي البسيط للموبايل إلى نمط إدماني يؤثر على النمو الانفعالي والاجتماعي للطفل.

ويؤكد الأخصائيون أن التعامل مع الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى وعي أكبر من الأهل، يجمع بين الرقابة والتوجيه وتقديم بدائل واقعية بعيدًا عن الشاشات، لتجنب ترسيخ أنماط سلوكية قد تستمر معه لفترات طويلة.

طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟ - 1000626577
أخصائية نفسية: من الصعب منع الشاشات تمامًا

قالت تيسير محمد، أخصائية نفسية وتعديل سلوك، في تصريحات خاصة لـ”الخبر لايف”، إن استخدام الشاشات أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأطفال في العصر الحالي، مشيرة إلى أنه من الصعب منع الأطفال تمامًا من التعرض لها، خاصة مع انتشار التكنولوجيا، لكن يمكن تنظيم وتقنين وقت الاستخدام بشكل تدريجي ومناسب لكل مرحلة عمرية.

لماذا ينجذب الأطفال إلى الشاشات؟

وأوضحت أن هناك عدة أسباب تدفع الأطفال للإقبال على الشاشات، في مقدمتها انشغال الوالدين وحرصهم على تهدئة الطفل أثناء انشغالهم، إلى جانب سهولة الوصول إلى الأجهزة التي تجعلها وسيلة ترفيه أساسية وسريعة.

وأضافت أن غياب البدائل من أنشطة حركية أو هوايات أو ألعاب واقعية يزيد من اعتماد الطفل على الهاتف، بالإضافة إلى تأثير التعليم الإلكتروني الذي ساهم في زيادة مدة التعرض للشاشات، فضلًا عن تأثير الأصدقاء والرغبة في التقليد، وأحيانًا تقليد سلوك الوالدين أنفسهم في الاستخدام المفرط.

آثار نفسية وسلوكية خطيرة

وحذرت من أن الاستخدام المستمر للشاشات قد ينعكس سلبًا على الطفل بعدة صور، أبرزها ضعف التركيز والانتباه نتيجة الاعتماد على التصفح السريع، مما يقلل قدرة الطفل على التعلم والانخراط في الأنشطة الهادئة.

كما أشارت إلى اضطرابات النوم والأرق بسبب التعرض للضوء الأزرق الصادر من الشاشات، وتأخر النمو اللغوي وضعف مهارات التواصل نتيجة غياب التفاعل البشري المباشر.

وأضافت أن الأطفال قد يعانون أيضًا من زيادة العصبية والانفعال عند منعهم من استخدام الأجهزة، وهو ما قد يصل إلى نوبات غضب، فضلًا عن قلة النشاط البدني وما يترتب عليه من زيادة الوزن والسمنة، إلى جانب العزلة الاجتماعية والتعرض لمحتوى غير مناسب للعمر دون رقابة كافية.

علامات تستوجب التدخل السريع

وحددت الأخصائية النفسية تيسير محمد، مجموعة من العلامات التي تستوجب التدخل السريع، مثل:

-نوبات الغضب المتكررة

- فقدان الاهتمام بالدراسة

-ضعف التحصيل الدراسي

- قلة التفاعل الأسري

استخدام الأجهزة لساعات طويلة دون توقف

مؤكدة أنه عند ظهور هذه العلامات يجب عدم تجاهلها والتعامل معها بشكل فوري.

طفولة على وضع الصامت.. كيف غيّرت الشاشات ملامح الجيل الجديد؟ - 1000626575
كيف يمكن حماية الأطفال؟

أما عن الحلول، فأكدت ضرورة وضع جدول زمني مناسب لعمر الطفل يحدد عدد ساعات التعرض للشاشات، مع منع استخدامها قبل النوم من ساعة إلى ساعتين على الأقل.

وشددت على أهمية توفير بدائل ممتعة مثل الرسم والرياضة والأنشطة التي يفضلها الطفل، إلى جانب ضرورة قضاء وقت نوعي مع الأبناء، حتى لو كان قصيرًا، مع التركيز على جودة التفاعل وليس كميته فقط.

كما أكدت ضرورة استخدام أدوات الرقابة الأبوية، مشيرة إلى أن الأهل يمثلون القدوة الأولى للأطفال، فإذا قلل الوالدان من استخدام الهواتف انعكس ذلك إيجابيًا على سلوك الأبناء.

وأضافت أن الحل لا يجب أن يكون بالمنع المفاجئ، وإنما بالتدرج في تقليل الوقت لتجنب زيادة العناد والعصبية، مؤكدة أن هذه الأساليب أثبتت نجاحها في كثير من الحالات.

واختتمت بالإشارة إلى أن توصيات منظمة الصحة العالمية تؤكد ضرورة منع تعرض الأطفال دون سن العامين للشاشات تمامًا، مع ضرورة اللجوء إلى متخصص نفسي فور ملاحظة أي علامات خطر.

جيل يتعلم الحياة من خلف شاشة

يبدو أن معركة الشاشات مع الطفولة لم تعد مجرد سؤال تربوي أو رفاهية اختيار، بل تحولت إلى سؤال أعمق عن شكل الإنسان الذي نعيد تشكيله بصمت كل يوم.

فبينما يظن البعض أن الهاتف مجرد وسيلة لتهدئة طفل أو ملء وقت فراغ، تتراكم في الخلفية ملامح جيل جديد يتعلم العالم من خلال شاشة صغيرة، لا من خلال عينين تنظران إلى الحياة مباشرة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم ساعة يقضيها الطفل أمام الشاشة؟

بل: ماذا يخسر في المقابل من مهاراته ومشاعره وقدرته على التواصل مع ذاته ومع الآخرين؟

ربما لا تكمن الخطورة في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نستسلم بها لها دون وعي، لنكتشف لاحقًا أننا لم نمنح أطفالنا وقتًا كافيًا ليكونوا بشرًا بالكامل خارج الإطار الزجاجي الصغير الذي نضعهم فيه كل يوم.

 

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe