الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 5 5 دقيقة visibility 92

ا.د / إبراهيم محمد مرجونة يكتب: الانتحار ليس حلًا

schedule
ا.د / إبراهيم محمد مرجونة يكتب: الانتحار ليس حلًا
إن زارتك الفكرة، لا تمنحها قرارك. دعها تمرّ. ذكّر نفسك أن الانتحار ليس حلًا، بل لحظة عابرة تحاول أن تبدو أبدية.

ليس كل من يفكّر في الرحيل يريد أن يموت؛ بعضهم يريد فقط أن يتوقّف الألم.

 هناك لحظات تتكاثف فيها العتمة حتى يبدو الانطفاء خلاصًا، لكن الحقيقة الأكثر عمقًا أن الرغبة في الفناء ليست إلا صرخة للحياة نفسها: أنقذوني من هذا الذي يؤذيني، من هذا الذي يأكل روحي ببطء.

الانتحار المؤجَّل حالة إنسانية معقّدة؛ هو أن يعيش المرء على الحافة، يؤجّل القرار، ويؤجّل معه الأمل، وكأنّ قلبه يقول: “ربما يأتي صباحٌ مختلف”. في هذا التأجيل معنى خفي: بقايا نور لم تنطفئ بعد، ورغبة دفينة في النجاة.

وإياكم والأذى النفسي فليست كل الجراح تُرى. هناك كلمات تُلقى فتستقر في الروح كالشظايا، ونظرات تُهمِّش، وعلاقات تُفرغ الإنسان من نفسه.

 الأذى النفسي لا يقتلك مرةً واحدة، بل يعلّمك أن تموت تدريجيًا: تقلّ ثقتك، يضيق صدرك، وتغدو الحياة ثقيلة.

لكن الحقيقة التي يغفلها الكثيرون: الأذى لا يملك حق تعريفك. أنت لست ما قيل لك، ولا ما فُرض عليك من صورٍ مشوّهة. من يؤذيك قد يكون مكسورًا في داخله، فيحاول أن يرمّم نفسه على حسابك. وهنا تبدأ المواجهة الأولى:

أن ترفض أن تكون مرآةً لكسور الآخرين. وقد يكون شخص مؤذي بطبعه فإبتعد عنه قدر استطاعتك.

 رُوي عن عمر بن الخطاب -رضي ﷲ عنه- أنه قال: (اعتزل ما يُؤذيك، وعليك بالخليل الصالح وقلّما تجده، وشاور في أمرك الذين يخافون الله).

فهناك لحظة لا تُقاس بالزمن، بل بالكثافة؛ لحظةٌ يثقل فيها الهواء في صدرك، كأنك تتنفس عبر ذاكرةٍ موجوعة. لا تكون راغبًا في الموت بقدر ما تكون راغبًا في أن يتوقّف هذا الضجيج الداخلي الذي لا يهدأ. ومن هنا تبدأ الفكرة، لا كقرارٍ حاسم، بل كظلٍّ ثقيل يمرّ في الخاطر: هل يكون الرحيل راحة؟

لكن الحقيقة التي تتكشف ببطء، وسط هذا الاضطراب، أن الانتحار ليس حلًا… بل هو اختزالٌ قاسٍ لسؤالٍ عميق لم يُفهم بعد.

فما نريده في تلك اللحظة ليس الموت، بل نهاية الألم. نريد أن يتوقّف هذا الثقل، هذا الاستنزاف الذي يجعل الحياة تبدو أطول مما ينبغي. وهنا تحديدًا تتجلّى خطورة الفكرة: أنها تُقنعك بأن الخلاص في الفناء، بينما الحقيقة أن الخلاص في إعادة فهم ما يؤلمك، لا الهروب منه.

وغالبًا، حين نغوص أكثر، لا نجد أن الحياة هي التي كسرتنا، بل الناس. وجوهٌ مرّت، كلماتٌ قيلت، مواقفُ تكررت حتى صارت جزءًا من تكويننا الداخلي. الأذى النفسي لا يصرخ، بل يهمس… لكنه يظلّ حاضرًا. يغيّر نظرتك لنفسك، يجعلك ترى ذاتك بعينٍ ليست عينك، كأنك تعيش داخل مرآةٍ مشوّهة صنعها الآخرون.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين تصدّق ما ليس فيك. حين تتحوّل كلمات الآخرين إلى صوتٍ داخلي يلازمك، يلومك، ويقلّلك. لكن هذا الصوت—مهما بدا صادقًا—ليس حقيقتك. هو أثر، بقايا ما تعرّضت له، لا ما أنت عليه.

ومن هنا تبدأ المواجهة… لا بالصدام، بل بالاستعادة. أن تستعيد نفسك من هذا التشوّه البطيء. أن تدرك أن بعض الناس لا يؤذونك لأنك تستحق، بل لأنهم لا يعرفون طريقة أخرى للوجود. وأن الاستمرار معهم ليس صبرًا، بل استنزافٌ مؤجّل.

المواجهة ليست دائمًا أن تبقى وتقنعهم، بل أحيانًا أن ترحل وتُنقذ نفسك. أن تضع حدودًا، حتى لو لم يفهمها أحد. أن تختار المسافة، لا لأنك ضعيف، بل لأنك أدركت متأخرًا أن القرب كان يكلفك الكثير. في عالمٍ يمجّد التحمّل، يصبح الانسحاب الواعي شجاعة.

لكن بعد الانسحاب، يظهر فراغ. صمتٌ لم تألفه، لأنك كنت معتادًا على الضجيج، حتى وإن كان مؤلمًا. وهنا يأتي السؤال الأعمق: ماذا بعد؟

في هذا الفراغ، يبدأ الإنسان في البحث عن شيءٍ أثبت من الناس، عن معنى لا يتغير بتغيّر العلاقات. وهنا يتجلّى الإيمان، لا كفكرةٍ جاهزة، بل كتجربة شخصية. أن تشعر—ولو للحظة—أنك لست وحدك، أن هناك من يرى هذا الانكسار الذي لا يراه أحد.

تأتي الآية: “وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ”، لا ككلماتٍ محفوظة، بل كنافذة. كأنها تُقال لك تحديدًا، في هذه اللحظة، لتذكّرك أن اليأس ليس قدرًا، بل حالة عابرة مهما طالت.

وفي التراث الروحي، تبرز تلك النظرة التي تعيد ترتيب الألم: “لو علمتُ أن الله ابتلاني ليقرّبني، لشكرتُه على البلاء كما أشكره على العطاء.”

ليست دعوةً لتجميل الوجع، بل لفهمه بشكلٍ مختلف؛ أن ترى فيه طريقًا، لا جدارًا.

وحين نعجز عن الفهم، يأتي الأدب ليمنحنا لغةً أخرى. في “رسائل الأحزان”، يكتب مصطفى صادق الرافعي: “إن الحزن يعلّم القلب لغةً لا يعرفها في الفرح.” كأن الحزن ليس خللًا، بل باب معرفة.

وعند دوستويفسكي، نرى الإنسان في أقصى انكساراته، ومع ذلك يظلّ محتفظًا بشرارةٍ خفية، قدرةٍ على النهوض رغم كل شيء. كأن السقوط ليس النهاية، بل اختبار لما تبقّى في الداخل.

ومن هنا، نفهم أن تأجيل فكرة الانتحار ليس ضعفًا، بل بداية مقاومة. كل مرة تقول فيها “ليس الآن”، أنت—دون أن تشعر—تختار الحياة. وهذا الاختيار، حتى لو كان هشًا، هو ما يُبقيك واقفًا على الحافة دون أن تسقط.

الحياة لا تعود فجأة، ولا الألم يختفي بقرار. لكن هناك أشياء صغيرة تتغيّر: يومٌ يمرّ بهدوء، كلمة طيبة، دعاء يُقال، صفحة تُكتب. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تعيد بناء الإنسان، لا اللحظات الكبرى.

قد تحتاج أن تتعلّم كيف تكون لطيفًا مع نفسك، وهذا أصعب مما يبدو. أن تغفر لنفسك ضعفها، أن تمنحها وقتًا، أن تقبل أنها لا تُشفى دفعةً واحدة.

وفي النهاية، لا أحد يطلب منك أن تكون قويًا دائمًا. يكفي أن تبقى. أن تستمر، لا لأنك لا تتألم، بل لأنك قررت—بشكلٍ ما—أن الألم ليس النهاية.

فإن زارتك الفكرة، لا تمنحها قرارك. دعها تمرّ. ذكّر نفسك أن الانتحار ليس حلًا، بل لحظة عابرة تحاول أن تبدو أبدية.

وما دمت تؤجّل الرحيل، فهناك جزءٌ منك لا يزال يؤمن بالحياة… حتى وإن لم يعترف بذلك بعد.

وعلى هذه الحافة، بين العتمة والضوء، لا يحدث السقوط دائمًا…

أحيانًا، تبدأ النجاة.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe