الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 3 3 دقيقة visibility 78

أ.د. إبراهيم محمد مرجونة يكتب: أنت جاهز؟ لكن عصام مش جاهز!

schedule
أ.د. إبراهيم محمد مرجونة يكتب: أنت جاهز؟ لكن عصام مش جاهز!

في أوقات كثيرة، لا تحتاج إلى تقارير اقتصادية طويلة لتفهم ما يحدث في المجتمع؛ يكفي أن تشاهد الإعلانات. فالإعلان – على بساطته الظاهرة – قد يكشف أحيانًا ما تعجز عنه الدراسات المطوّلة: شكل الطبقات، وطبيعة الأحلام، والمسافة بين ما يعيشه الناس وما يُعرض عليهم.

قبل أيام ظهر إعلان لمشروع سكني فاخر يقدمه الفنان أحمد حلمي، يبدأ بسؤال بسيط ومباشر: "إنت جاهز؟". السؤال يبدو عابرًا، لكنه في الحقيقة سؤال كبير. جاهز لِماذا؟ جاهز لدخول عالم كامل يبدو كأنه منفصل عن المدينة التي نعرفها.

في الإعلان نرى بحيرات صناعية، مساحات خضراء ممتدة، شوارع هادئة، وبيوتًا واسعة داخل كومباوند مغلق. كل شيء مرتب ومثالي، كأن المدينة الحقيقية توقفت عند البوابة. الأسعار – كما يعرف الجميع – تتحدث عن ملايين الجنيهات. ملايين لا تُدفع مقابل شقة فقط، بل مقابل نمط حياة كامل: هدوء، خصوصية، أمان، ومسافة كافية بينك وبين فوضى المدينة.

وبينما ينتهي الإعلان تاركًا هذا الحلم اللامع في ذهن المشاهد، يظهر إعلان آخر من عالم مختلف تمامًا. قصة رجل بسيط يُدعى عصام. يقولون إنه تغيّر، أصبح أكثر حدة في التعامل مع من حوله. ثم يأتي التفسير في نهاية الإعلان: عصام تغيّر لأنه حصل على شقة في الإسكان الاجتماعي.

المفارقة هنا لافتة إلى حد يكاد يكون صادمًا.

في الإعلان الأول نتحدث عن وحدات سكنية بملايين الجنيهات، تُقدَّم وكأنها امتداد طبيعي للحياة الحديثة. وفي الإعلان الثاني تصبح شقة صغيرة مدعومة حدثًا كبيرًا إلى درجة أنه يغيّر سلوك الإنسان ونظرته إلى العالم.

بين الإعلانين مسافة لا تقاس بالكيلومترات، بل بالطبقات الاجتماعية.

هذه المسافة هي الحكاية الحقيقية التي تقولها الإعلانات دون أن تقصد.

ففي زمن ليس بعيدًا، كانت هناك مساحة واسعة في منتصف المجتمع: الطبقة الوسطى. تلك الطبقة التي كانت تستطيع – بعد سنوات من العمل – أن تحلم بشقة معقولة في حي معقول. لم يكن الطريق سهلاً، لكنه لم يكن مستحيلًا أيضًا.

المعلم، الموظف، المهندس الشاب، الطبيب في بداية حياته… كانوا جميعًا ينتمون إلى هذه المنطقة الوسطى. منطقة ليست فقيرة لكنها ليست ثرية أيضًا. منطقة تعتمد على العمل والصبر والوقت.

اليوم يبدو أن هذه المنطقة الوسطى بدأت تتآكل تدريجيًا.

المشهد صار أقرب إلى طرفين واضحين:

طرف قادر على شراء شقق في مجتمعات مسوّرة، تتجاوز أسعارها أحيانًا ما كان يُعد ثروة كاملة قبل سنوات قليلة. وطرف آخر ينتظر دورًا في مشروع إسكان مدعوم، أو يقضي سنوات طويلة في البحث عن شقة يمكن دفع مقدمها.

أما المسافة بين الطرفين فقد اتسعت إلى حد يجعل الحديث عن "طبقة وسطى" يبدو أحيانًا أقرب إلى ذكرى اجتماعية.

ولعل أخطر ما في هذه الفجوة أنها لم تعد اقتصادية فقط، بل عمرانية أيضًا.

المدن نفسها بدأت تنقسم. هناك مدن داخل المدن: كومباوندات مغلقة بأسوار وحراسة وبوابات إلكترونية. عالم هادئ ونظيف ومنظم. وعلى بعد كيلومترات قليلة فقط، عالم آخر مزدحم وصاخب، يزداد ضغطه يومًا بعد يوم.

ليس المقصود هنا انتقاد فكرة التطوير العمراني أو السكن الحديث. المدن تتغير بطبيعتها، وهذا أمر طبيعي. لكن ما يلفت الانتباه هو أن التحول العمراني أصبح يعكس التحول الاجتماعي بوضوح شديد.

كأن المدينة نفسها تُعاد كتابتها على هيئة طبقات.

الإعلانات لا تقول ذلك صراحة بالطبع. وظيفتها أن تبيع الأمل، لا أن تشرح المجتمع. لكنها – من حيث لا تقصد – تكشف الكثير.

فعندما ترى إعلانًا يبيع شقة بملايين الجنيهات، وإعلانًا آخر يروي قصة إنسان تغيّرت حياته لأنه حصل على شقة مدعومة، تدرك أن المجتمع يقف بين عالمين مختلفين تمامًا.

عالم يعيش حلم الرفاهية الكاملة، وعالم آخر ما زال يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.

ربما لهذا السبب يبدو سؤال "إنت جاهز؟" سؤالًا أكبر مما يبدو عليه.

جاهز لشراء شقة؟ ربما.

لكن السؤال الحقيقي قد يكون: جاهز لأي مجتمع نحن ذاهبون إليه؟

مجتمع تتباعد فيه الطبقات إلى هذا الحد؟

أم مجتمع ما زال قادرًا على ترميم المسافة بين الحلم والواقع؟

الإعلانات، في النهاية، ليست سوى صور لامعة تمر أمام أعيننا لبضع ثوانٍ. لكنها أحيانًا تترك خلفها سؤالًا ثقيلًا:

هل ما نراه على الشاشة هو المستقبل الذي ينتظرنا… أم مجرد يوتوبيا صغيرة لا يعيش فيها إلا القليل؟

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe