الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 4 4 دقيقة visibility 66

ا.د إبراهيم مرجونة يكتب: على الحَركَرورك

schedule
ا.د إبراهيم مرجونة يكتب: على الحَركَرورك
اعتدنا القلق حتى صار طبيعيًا، واعتدنا الضغط حتى صار جزءًا من تعريف الحياة، وصرنا ننظر إلى الطمأنينة كأنها استثناء لا حق أصيل للإنسان.

يا باب يا مقفول ... امتي الدخول

صبرت ياما و اللي يصبر ينول

دقيت سنين ... و يرجع لي : مين ؟

لو كنت عارف مين أنا كنت أقول

عجبي !    صلاح جاهين

لم تعد الحياة تُعاش كما ينبغي، بل تُدار كحالة طوارئ دائمة.

أغلبنا لا يعيش أيامه بقدر ما ينجو منها، يومًا بعد يوم، وكأن العمر كله صار محاولة مستمرة للوصول قبل أن يُغلق الباب بثوانٍ. ولهذا لم تعد العبارة الشعبية «على الحَركَرورك» مجرد تعبير عابر، بل أصبحت توصيفًا كاملًا لعصرٍ بأكمله.

نأكل على عجل، ننام على قلق، نحبّ بخوف، ونخطط تحت ضغطٍ دائم، حتى بدا الإنسان الحديث كمن يركض خلف قطارٍ لا يعرف إلى أين يمضي، لكنه يخشى فقط ألّا يلحقه.

لقد صار الوصول أهم من المعنى، والنجاة أهم من الطمأنينة، والقدرة على الاستمرار أهم من السؤال القديم والبسيط: هل نحن بخير حقًا؟

في الماضي، كانت الأحلام كبيرة والاحتياجات بسيطة.

أما اليوم، فقد حدث انقلابٌ موجع: صارت الاحتياجات نفسها أحلامًا مؤجلة.

أن تمتلك بيتًا هادئًا لم يعد أمرًا طبيعيًا، بل مشروع عمر.

أن تجد وقتًا للراحة صار رفاهية.

أن تجلس مع أسرتك دون أن يسرقك الهاتف أو القلق أو التفكير في الغد، أصبح حدثًا نادرًا يحتاج إلى ترتيب مسبق.

حتى الطمأنينة — تلك التي كانت تسكن البيوت القديمة بلا ضجيج — تحوّلت إلى أمنية بعيدة، يطاردها الناس كما يطارد العطشى سراب الماء.

لم يعد الإنسان يحلم بالسعادة الكاملة، بل بأشياء أكثر تواضعًا وأكثر وجعًا:

راتب يكفي آخر الشهر، نوم بلا تفكير، علاقة لا تُرهق القلب، يوم يمر بلا أخبار سيئة، وهدوء داخلي لا يحتاج إلى مقاومة العالم كل صباح.

وهنا تكمن مأساة العصر الحقيقية:

أن الإنسان لم يعد يؤجل أحلامه الكبرى فقط، بل صار يؤجل احتياجاته الأساسية أيضًا.

يؤجل الراحة حتى ينتهي الضغط، ولا ينتهي.

ويؤجل الفرح حتى تتحسن الظروف، ولا تتحسن كما ينبغي.

ويؤجل نفسه كلها إلى موعدٍ غامض، يأتي دائمًا متأخرًا.

لقد أصبح معظمنا يعيش على «نظام التأجيل».

نؤجل السفر، والكتابة، والحب، والاعتذار، والراحة، وحتى الحزن.

كأننا نُقنع أنفسنا بأن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقًا، بعد الأزمة القادمة، وبعد الفاتورة القادمة، وبعد المعركة التالية مع الواقع. لكن السنوات تمر، ونكتشف فجأة أن ما كنا نسميه «مرحلة مؤقتة» كان هو العمر نفسه.

ولأن العالم صار أسرع من قدرتنا على الاحتمال، تحوّلت المشاعر إلى نسخ مختصرة.

لا أحد يملك رفاهية التأمل الطويل، أو الحزن الطويل، أو حتى الفرح الطويل.

كل شيء يُستهلك بسرعة: الأخبار، العلاقات، الوعود، وحتى البشر.

نعيش زمنًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بقدرته على التحمّل، لا بقدرته على الشعور.

ولهذا صار التعب فضيلة اجتماعية؛ كلما كنت مُرهقًا أكثر، بدا أنك أكثر نجاحًا وأكثر استحقاقًا للحياة. أما الهدوء، فصار يُفهم أحيانًا باعتباره كسلًا أو انسحابًا من السباق.

لكن السؤال الذي يختبئ خلف كل هذا الضجيج يظل مرعبًا وبسيطًا:

متى سنعيش فعلًا؟

متى يصبح البيت بيتًا لا محطة شحن مؤقتة؟

ومتى يصبح العمل وسيلة للحياة لا بديلًا عنها؟

ومتى يتوقف الإنسان عن معاملة قلبه كآلة مطالبة بالعمل دون توقف؟

الحقيقة القاسية أن الإنسان لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء.

يتآكل من كثرة اللحاق، ومن الخوف الدائم، ومن الإحساس بأنه مهما فعل فلن يصل إلى حالة الاكتفاء أبدًا.

ولهذا يبدو كثير من الناس اليوم ناجحين من الخارج، لكنهم من الداخل يعيشون في حالة فقر خفي: فقر في السكينة، وفقر في الوقت، وفقر في القدرة على الاستمتاع بما يملكون.

لقد صارت حياتنا كلها «على الحَركَرورك».

نلحق أعمارنا في آخر لحظة، ونلحق أحلامنا بعد أن يبهت بريقها، ونلحق أحباءنا بعدما تُفسد المسافات دفء العلاقات.

حتى أنفسنا… نصل إليها متأخرين.

وربما أخطر ما في الأمر أننا اعتدنا ذلك.

اعتدنا القلق حتى صار طبيعيًا، واعتدنا الضغط حتى صار جزءًا من تعريف الحياة، وصرنا ننظر إلى الطمأنينة كأنها استثناء لا حق أصيل للإنسان.

ومع ذلك، يبقى داخل كل إنسان جزء صغير يرفض هذا الإيقاع القاسي، جزء يتمنى حياة أبطأ قليلًا، أصدق قليلًا، وأكثر رحمة.

جزء لا يريد أن يربح العالم كله، بقدر ما يريد أن يجلس مطمئنًا في مساء عادي، دون خوفٍ من الغد.

لعل النجاة الحقيقية اليوم ليست في أن نلحق كل شيء، بل في ألا نفقد أنفسنا أثناء الركض.

ولعل أعظم مقاومة ممكنة لهذا العصر، أن يحتفظ الإنسان بقلبه حيًا، رغم كل ما يدفعه لأن يتحول إلى آلة.

فالحياة التي تُعاش دائمًا على الحَركَرورك…

قد تُبقي الإنسان واقفًا،

لكنها نادرًا ما تتركه حيًا من الداخل.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe