الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 4 4 دقيقة visibility 107

أ.د. إبراهيم مرجونة يكتب: عندما تعثر على ضالتك

schedule
أ.د. إبراهيم مرجونة يكتب: عندما تعثر على ضالتك

 يقول العم صلاح جاهين

وفات  العمر  زى  الريح
لقتنى  كبرت  على  سهوه

لقتنى  عشقت  شرب  الشاى
وبقيت  مدمن  القهوه

لقتنى  بحب  كمان  الصيف
وأخاف  من  النسمه  لأستهوى

لقيت  الشيب  صبغ  شعرى 
لقيت  كتفى  بقى  يطقطق
وبشكى  من  وجع  ضهري

بقيت  ساكت  ومش  بنطق
وخلقى  ضاق بقيت بطهق

عرفت  أنى  كبرت  خلاص
لقتنى  كمان  زهدت  الناس 
بقيت  بفضل  كتيرررر  وحدى
كبرت  بقيت  شبه  أمي  
وأيامى  بقت  ساكته
وعجبي
في ليالي المدينة الهادئة، حين ينسحب الضجيج من الشوارع وتبقى الأرواح وحدها في مواجهة ذاتها، يتكلم المكان بلغة لا يسمعها إلا من أنهكه البحث.

النيل لا يجري فقط، بل يهمس بتاريخ طويل من الفقد والتعويض، والهواء لا يمر عابرا، بل يحمل آثار خطوات من سبقونا في التيه نفسه، هناك، في تلك اللحظة الرمادية بين التعب والرجاء، تحدث المعجزة الصامتة: أن تجد ما لم تكن تعرف أنك فقدته.

الانسان في جوهره كائن ضائع، حتى وهو يظن أنه ثابت،،يضيع في العمل، في العلاقات، في الأحلام المؤجلة، وفي محاولات متكررة لفهم نفسه. الضالة ليست شيئا محددا بالضرورة، قد تكون شعورا بالطمأنينة، أو يقينا كان يسكن القلب ثم غادره، أو معنى كان يبرر كل هذا العناء.

نبحث عنها ونحن نظن أننا نبحث عن أشخاص أو أشياء، بينما الحقيقة أننا نبحث عن أنفسنا في مرآة أخرى.

وحين يشتد التيه، يظهر العوض. لا يأتي صاخبا ولا معلنا عن نفسه، بل يتسلل بهدوء، في صورة انسان عادي، لا يملك حلولا سحرية، لكنه يملك حضورا مختلفا، شخص لا يعدك بشيء، لكنه يخفف الحمل لمجرد وجوده. يشاركك الصمت قبل الكلام، ويفهمك قبل الشرح، ويمنحك شعورا نادرا بأنك لست وحدك في هذا الطريق الوعر.

العوض ليس بديلا ميكانيكيا عن الفقد، بل هو إعادة ترتيب داخلية للعالم، هو أن تفقد شيئا كنت تظنه الحياة كلها، ثم تكتشف أن الحياة كانت أوسع من ذلك بكثير. هو أن يسقط حلم، فتنهض حكمة، أن تنكسر علاقة، فيتفتح وعي، أن يخذلك بشر، فتتعلم معنى الاعتماد الحقيقي. العوض لا يعيد لك ما فقدت، لكنه يمنحك ما تحتاجه لتكمل.
في وادي الخسارات، تتشابه الوجوه وتتراكم الأيام بلا طعم. فقد عمل، خيبة صداقة، وحدة تتسلل ببطء، وأحلام تتآكل تحت ضغط الواقع، في هذا المشهد القاسي، لا يكون العوض بطلا اسطوريا، بل انسانا يحمل رحمة خفية، يشبه المطر الذي لا يسأل الأرض عن استحقاقها قبل أن يهطل، وجوده يحول الضعف إلى صبر، واليأس إلى احتمال جديد، والانتظار إلى معنى.

الأدب التقط هذه الفكرة بذكاء مبكر.

في عوالم نجيب محفوظ، لا يكون الخلاص في المال ولا في السلطة، بل في الروابط الانسانية التي تنسج داخل الحارات الضيقة، الشخص قد يكون ضالة لغيره دون أن يدري، وقد يصبح عوضا جماعيا في مواجهة الفقر والقهر والوحدة. هناك، تتحول المعاناة إلى رابط، ويصبح الحب فعلا مقاوما في وجه القسوة اليومية.

الفلسفة بدورها لم تنفصل عن هذا المعنى، الانسان، كما رآه ارسطو، لا يكتمل وحده، الصداقة العميقة ليست ترفا، بل ضرورة وجودية، لأنها تكشف لنا أجزاء من أنفسنا لم نكن نراها،في الصديق، وفي الشريك الروحي، نعثر على نقصنا وقد تحول إلى قوة، وعلى هشاشتنا وقد صارت فضيلة، العوض هنا ليس امتلاكا، بل مشاركة في حمل العبء.

وفي التصوف الاسلامي، تتجاوز الفكرة بعدها الاجتماعي لتدخل المجال الكوني، الرزق لا يختزل في الخبز والمال، بل يتجلى في الاشخاص الذين يمرون بحياتنا في التوقيت الصحيح، الله كل انسان صادق يدخل حياتك بعد خسارة، هو رسالة غير مكتوبة من القدر، تقول لك إن الفقد ليس نهاية، بل تمهيد،وإن الصبر ليس احتمالا سلبيا، بل استعداد داخلي لاستقبال العطاء في صورته الجديدة.

العوض الحقيقي لا يزيل الالم، لكنه يعلمه لغة اخرى. لا يمحو الجرح، لكنه يمنحه معنى، هو كلمة تأتي في وقتها، يد تمتد دون سؤال، نظرة تقول لك إنك مرئي ومفهوم. ومع الوقت، تكتشف أن هذا العوض لم يكن خارجك فقط، بل أعاد تشكيلك من الداخل، وجعلك أكثر اتساعا، أكثر رحمة، وأكثر قدرة على الفهم.

في النهاية، ليست الحياة سلسلة من الخسارات العشوائية، بل مسار طويل من التفريغ والامتلاء. نفقد لنخف، ونُعوّض لننضج. وكلما وجدت ضالتك في حضرة روح تشبهك، أدركت أن العوض ليس صدفة، بل حكمة مؤجلة، حينها فقط، تتحول الصعاب من عوائق إلى درجات، ومن جراح إلى علامات طريق، تقودك بهدوء نحو سماء أوسع مما كنت تتخيل.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe