قال العم صلاح جاهين في الرباعيات:
قتلوه من التعذيب وقالوا انتحر..
بسيطة بسيطة وقلت: اه يا غجر!..
لو جنسكم سبناه يعيش في الحياة..
اللي انتحر راح يبقى جنس البشر!
وعجبي.
في لحظةٍ يختلط فيها الصمت بالدهشة، اجتمعت جنازتان في مسجدٍ واحد: رجلٌ أسقطته شهوته في كأسٍ أخير، وامرأةٌ أنهكها الخوف حتى اختارت النهاية على مواجهة الحياة. مشهدٌ لا يثير الحزن فحسب، بل يستفز ذلك الميل العميق في النفس البشرية إلى إصدار الأحكام، كأننا وُكِّلنا بميزانٍ ليس لنا، أو مُنحنا مفاتيح غيبٍ لم يُكشف لنا.
لم يكن المشهد عابرًا كما يبدو للوهلة الأولى. جنازتان تتجاوران في بيتٍ من بيوت الله: جسدان صامتان، لكن خلف كلٍّ منهما حكاية تضجّ بما لم يُروَ، وما لن يُروى أبدًا. رجلٌ انتهت رحلته عند لحظة ضعفٍ أخيرة، وامرأةٌ أنهكها الخوف حتى دفعتها عتمته إلى قرارٍ لا رجعة فيه.
وفي اللحظة التي كان يُفترض أن يسود فيها الصمت، ارتفع سؤالٌ يُشبه ضجيج العالم كلّه:
أفي الجنة هما أم في النار؟
ليس السؤال جديدًا، بل هو قديم قِدم القلق الإنساني نفسه. إنّه السؤال الذي يُراود الإنسان كلما وقف أمام خطيئة غيره: أين أنا من هذا؟ وأين هو من الرحمة؟ لكنه – في جوهره – ليس سؤال معرفة، بل سؤال سلطة؛ رغبة خفيّة في أن نُمسك بميزان الغيب، وأن نُصدر حكمًا نهائيًا يضع كلّ شيء في مكانه.
لكن ما لا يدركه كثيرون أن هذا السؤال، في صيغته هذه، ليس بريئًا كما يبدو؛ لأنّه يُحوِّل الدين من طريقٍ للنجاة إلى أداةٍ للتصنيف، ومن تجربةٍ روحية عميقة إلى محكمةٍ مكتملة الأركان، يجلس فيها البشر قضاةً على بعضهم بعضًا.
حين سُئل أبو حنيفة النعمان لم يُجِب فقط، بل أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان وربّه. كان بإمكانه أن يستدعي نصوص الوعيد، وأن يُفصّل في الذنوب وخطورتها، وأن يُرضي نزعة السائلين في الحسم واليقين. لكنه اختار طريقًا أشقّ: طريق التواضع أمام الغيب.
لم يقل “لا أعلم” فحسب، بل قال ما هو أعمق من ذلك: ردّ المسألة إلى مقامها الصحيح، مقام الألوهية لا العبودية. استحضر كلمات الأنبياء، لا باعتبارها اقتباسات بل باعتبارها منهجًا في النظر:
كلمات إبراهيم عليه السلام:
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وكلمات عيسى عليه السلام:
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
وكلمات نوح عليه السلام:
﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.
في هذا الموقف، تتجلّى واحدة من أعمق الإشكاليات في الوعي الديني: الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل.
الفعل يُقاس بالمعايير، يُناقش، يُرفض أو يُقبل.
أما الفاعل، فهو عالمٌ مركّب لا يُختزل في لحظة، ولا يُحاط به علمٌ بشري.
نحن نرى النهاية، لكننا لا نرى ما قبلها.
نرى السقوط، لكننا لا نرى كم مرّة حاول الإنسان أن ينهض.
نرى الذنب، لكننا لا نرى الندم الذي ربما مزّق قلب صاحبه قبل أن يُمهله الزمن ليُصلح ما أفسد.
إن اختزال الإنسان في خطيئته هو في حدّ ذاته خطيئة معرفية وأخلاقية. لأن الإنسان – في حقيقته – ليس فعلاً واحدًا، بل تاريخٌ من الصراع بين ما يريد أن يكونه، وما يسقط فيه رغمًا عنه.
ذلك الرجل الذي مات وهو يشرب، قد يكون قضى عمره بين مدٍّ وجزر، بين محاولةٍ وانكسار. وربما كانت تلك الكأس هي لحظة سقوطه، لا تعريفه الكامل.
وتلك المرأة التي أنهت حياتها، قد تكون وصلت إلى حافةٍ نفسية لا تُرى بالعين، حيث يختلط الخوف بالعار باليأس، فيغيب الأفق تمامًا. هل نملك – نحن الواقفين خارج تلك التجربة – أن نحكم على قرارٍ وُلد في لحظة اختناق روحي كامل؟
إنّ من أخطر ما يُصيب المجتمعات ليس انتشار الخطأ، بل انتشار القسوة في التعامل معه.
حين يتحوّل الناس إلى رُقباء على مصائر بعضهم، تضيق الرحمة، ويُغلق باب التوبة، لا لأن الله أغلقه، بل لأن البشر سبقوا إلى إغلاقه في وجوه بعضهم.
وهنا يكمن جوهر المأساة:
أن الإنسان، بدلاً من أن يخاف على نفسه من المصير، ينشغل بتحديد مصائر الآخرين.
وبدلاً من أن يُفتّش في عيوبه، يُمعن النظر في عيوب غيره.
وكأن الحكم على الآخرين يمنحه شعورًا زائفًا بالأمان، أو يرفع عنه عبء مواجهة ذاته.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الطريق إلى الله لا يُقاس بمشاهدات البشر، بل بحقائق القلوب.
والقلوب، كما قال العارفون، بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلّبها كيف يشاء.
كم من إنسانٍ عاش ظاهرُه الاستقامة، وخاتمتُه لم تكن كذلك.
وكم من إنسانٍ عاش في ظلال الخطأ، لكن لحظة صدقٍ واحدة غيّرت مساره كله.
إنها مفارقة تُربك كلّ حسابات البشر، لكنها في الوقت ذاته تُعيد الأمور إلى ميزانها الصحيح: ميزان العدل الإلهي الذي لا يُخطئ.
وفي زمننا، حيث أصبحت الحياة مكشوفة على منصّاتٍ لا ترحم، صار الحكم أسرع من الفهم، والإدانة أسهل من الرحمة. يُدان الإنسان بلقطة، ويُختزل في خبر، ويُحاصر في روايةٍ واحدة لا يُسمح له بالخروج منها.
وهنا تتضاعف الحاجة إلى استعادة ذلك الصوت العاقل الذي قال: “إن حسابهم إلا على ربهم”.
ليس معنى هذا تبرير الخطأ أو التساهل معه، بل وضعه في سياقه الصحيح:
أن نرفض الفعل دون أن نُصادر إنسانية الفاعل،
وأن نُدين السلوك دون أن ندّعي معرفة المصير.
إن أعظم ما يُمكن أن يتعلّمه الإنسان من هذا الموقف ليس فقه الحكم، بل أدب الوقوف عند الحد.
أن يعرف أين ينتهي دوره، وأين يبدأ دور الله.
أن يدرك أن الرحمة ليست ضعفًا، بل وعيٌ بحدود الإنسان، وإيمانٌ بسعة الإله.
في النهاية، تبقى تلك الجنازتان درسًا مفتوحًا:
ليس عن الموت، بل عن الحياة؛ ليس عن الذنب، بل عن الرحمة؛ ليس عن الآخرين، بل عنّا نحن.
كيف ننظر؟ كيف نحكم؟ كيف نضع أنفسنا في هذا العالم؟
ربما لن نعرف أبدًا أين انتهى ذلك الرجل، ولا أين انتهت تلك المرأة.
لكن الأهم من ذلك: هل نعرف أين نقف نحن؟
بين قسوة الحكم… وسعة الرحمة.
بين ادعاء المعرفة… والتسليم بالحكمة.
هناك، فقط، يبدأ الفهم.