الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 5 5 دقيقة visibility 83

ا.د إبراهيم مرجونة يكتب: رسائل البحر

schedule
ا.د إبراهيم مرجونة يكتب: رسائل البحر
البحر في الفيلم ليس مجرد خلفية جمالية، بل كيانٌ فلسفيّ، يقف في مواجهة الإنسان بوصفه صورةً للاتساع المطلق. البحر لا يتلعثم، لا يتردد، لا يخشى أن يكون. يمتد بلا اعتذار، ويضرب الشاطئ بثقةٍ كأن الوجود حقٌّ مكتسب

ينتمي فيلم رسائل البحر إلى عالم المخرج المصري داود عبد السيد، أحد أكثر صُنّاع السينما انشغالًا بالأسئلة الوجودية والإنسانية العميقة، وهو أيضًا كاتب العمل، ما يمنحه ذلك التماسك بين الرؤية والصياغة. قام ببطولته آسر ياسين في دورٍ يُعد من أبرز أدواره، بمشاركة بسمة ومي كساب، حيث تتقاطع الشخصيات في فضاءٍ إنساني مشحون بالوحدة والبحث عن المعنى. وقد جاء الفيلم امتدادًا لمشروع سينمائي يسعى إلى تفكيك علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، بعيدًا عن القوالب التقليدية للسرد.

ليست التأتأة التي يحملها بطل الفيلم عيبًا في النطق بقدر ما هي ارتباكٌ في العلاقة مع العالم. كأن اللغة نفسها خانته، أو كأن الكلمات—بكل ما تحمله من يقين—لم تعد قادرة على احتواء ما يشعر به. نحن لا نشاهد رجلًا يعجز عن الكلام، بل إنسانًا يتردد في أن يكون. وهذا التردد ليس حالة فردية، بل هو مرآة دقيقة لزمنٍ كامل، زمنٍ يتكلم فيه الجميع كثيرًا، لكن القليل فقط يقول ما يستحق أن يُقال.

في هذا الفيلم، لا يُقدَّم الصمت بوصفه فراغًا، بل بوصفه امتلاءً خانقًا. امتلاء بأسئلة لا تجد طريقها إلى الخارج، وبمشاعر لا تثق في قدرتها على النجاة إذا ما تحوّلت إلى كلمات. وهنا تتجلى المفارقة الأولى: أن أكثر الناس صمتًا قد يكونون أكثرهم ضجيجًا من الداخل. إن الصمت هنا ليس نقصًا، بل فائض معنى، فائض إحساس، فائض وجود لا يجد قنواته.

البحر في الفيلم ليس مجرد خلفية جمالية، بل كيانٌ فلسفيّ، يقف في مواجهة الإنسان بوصفه صورةً للاتساع المطلق. البحر لا يتلعثم، لا يتردد، لا يخشى أن يكون. يمتد بلا اعتذار، ويضرب الشاطئ بثقةٍ كأن الوجود حقٌّ مكتسب. في المقابل، يقف الإنسان—هشًّا، مترددًا، يحاول أن يعتذر عن وجوده قبل أن يثبته. هنا لا يعود البحر مكانًا، بل يصبح فكرة: فكرة الحرية التي لا نمتلك شجاعتها.

ومن هذه الثنائية—الإنسان المتردد والطبيعة الواثقة—يتولد سؤال عميق: لماذا يخاف الإنسان من أن يكون نفسه؟ ما الذي يجعل الكائن الوحيد القادر على التعبير هو ذاته الأكثر عجزًا عنه؟ ربما لأن الوعي، هذه النعمة التي تميزنا، يحمل في طياته عبئًا ثقيلًا: عبء الحكم، عبء المقارنة، عبء الخوف من الرفض. نحن لا نصمت لأننا لا نملك ما نقوله، بل لأننا نخشى تبعات قوله.

هنا تتكشف أزمة البطل: ليست في عجزه عن النطق، بل في شعوره بأنه زائد عن الحاجة في عالمٍ لا ينتظره. وهذا الشعور—بكل ما فيه من قسوة—ليس استثناءً، بل هو أحد أكثر المشاعر إنسانيةً وانتشارًا. كم من موهبةٍ ذبلت لأنها لم تجد من يصغي؟ كم من صوتٍ خفت لأنه لم يُقابَل إلا بالتجاهل أو السخرية؟ إن المجتمع، في كثير من الأحيان، لا يقمع الموهبة مباشرة، بل يتركها تذبل ببطء، عبر اللامبالاة.

والفيلم، في عمقه، ليس فقط عن فردٍ مأزوم، بل عن بيئة تُنتج هذا المأزوم. مدينةٌ مزدحمة، لكنها باردة؛ علاقاتٌ كثيرة، لكنها سطحية؛ فرصٌ تبدو متاحة، لكنها في الحقيقة انتقائية وقاسية. في هذا السياق، تتحول التأتأة إلى عرضٍ لمرضٍ أعمق: مرض الاغتراب. اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن الآخرين، وعن المعنى ذاته.

المدينة، بكل ما فيها من صخب، تبدو في الفيلم أكثر صمتًا من البحر. صمتٌ من نوعٍ آخر: صمت اللامبالاة. الناس يتكلمون كثيرًا، لكنهم لا يقولون شيئًا. العلاقات تتشكل بسرعة، لكنها لا تترك أثرًا. وكأن العالم الحديث قد استبدل العمق بالكثرة، والمعنى بالضجيج. في هذا السياق، تصبح التأتأة شكلًا من أشكال المقاومة؛ رفضًا غير واعٍ للانخراط في خطابٍ لا يحمل قيمة.

واللافت أن الشخصيات التي تحيط بالبطل ليست نماذج مثالية، بل كائنات مشروخة بطريقتها الخاصة. كل واحد منهم يحمل نقصًا ما، خوفًا ما، بحثًا ما. وكأن الفيلم يقول إن العطب ليس استثناءً، بل هو القاعدة. لكن الاختلاف يكمن في كيفية التعامل معه: هناك من يهرب، وهناك من يتكيف، وهناك من—كالبطل—يتعثر في المنتصف.

الفيلم يطرح سؤالًا خفيًا: هل يحتاج الإنسان إلى الآخرين ليصدق نفسه؟ أم أن الاعتراف الداخلي كافٍ ليمنحه شرعية الوجود؟ البطل يبدو معلقًا بين الإجابتين؛ فهو يدرك—في أعماقه—أنه يمتلك شيئًا، لكنه لا يستطيع أن يمنحه شكلًا في عالمٍ لا يمنح الفرص بسهولة. وهنا تتجلى مأساة الموهبة غير المكتملة: ليست في غياب القدرة، بل في غياب السياق الذي يسمح لها بالتحقق.

لكن العمل لا يغرق في السوداوية المطلقة. ثمة خيط رفيع من الأمل، ليس أملًا صاخبًا أو بطوليًا، بل أمل هادئ، يشبه تموّج البحر ذاته. أمل في أن الفهم قد يسبق التغيير، وأن إدراك الأزمة هو الخطوة الأولى—وإن لم تكن كافية—نحو تجاوزها. فالبطل، رغم عثراته، يبدأ في الإصغاء، وهذه بداية لا يُستهان بها.

في مستوى أعمق، يمكن قراءة رسائل البحر بوصفه تأملًا في العلاقة بين الذات واللغة. هل نحن ما نقوله؟ أم ما نعجز عن قوله؟ ربما تكمن حقيقتنا في تلك المساحات المعتمة التي لا تصلها الكلمات. في تلك اللحظات التي نشعر فيها بشيءٍ عظيم، لكننا نعجز عن تسميته. اللغة، رغم عظمتها، تظل أداة ناقصة، تحاول أن تُحيط بما هو أوسع منها.

غاية القول أن البحر، في النهاية، لا يعلّم البطل كيف يتكلم، بل كيف يُصغي. وهذه مفارقة أخرى: أن الإصغاء—لا الكلام—هو الطريق إلى فهم الذات. حين يصغي الإنسان إلى صمته، قد يكتشف أن المشكلة لم تكن في صوته، بل في خوفه من أن يُسمَع. وقد يكتشف أيضًا أن بعض المعاني لا تحتاج إلى إعلان، بل إلى معايشة.

ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن النظر إلى الفيلم كرحلة في سؤال الوجود ذاته: ما معنى أن تكون؟ هل يكفي أن نعيش بيولوجيًا، أم أن الوجود الحقيقي يتطلب تعبيرًا، أثرًا، صدى؟ وإذا عجز الإنسان عن أن يترك أثرًا، هل يصبح وجوده ناقصًا؟ الفيلم لا يجيب، لكنه يضعنا أمام السؤال بجرأة نادرة.

وهكذا، لا يخرج المشاهد من الفيلم بإجابة، بل بسؤالٍ أكثر عمقًا: ماذا لو لم يكن فقدان الشغف عجزًا داخليًا، بل نتيجة عالمٍ لا يمنح الشغف فرصةً للظهور؟ ماذا لو كان الصمت أحيانًا هو اللغة الأكثر صدقًا؟ ماذا لو كنا، في لحظات كثيرة، نحتاج إلى بحرٍ داخلنا، لا إلى كلماتٍ خارجنا؟

رسائل البحر ليس فيلمًا عن التأتأة، ولا عن البحر، ولا حتى عن الغربة. إنه، في جوهره، فيلم عن الإنسان حين يقف على حافة نفسه، مترددًا بين أن ينطق… أو أن يختفي في اتساع الصمت. وربما، في هذا التردد تحديدًا، تكمن إنسانيتنا الأعمق.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe