“من لم يُمتحن بالألم.. لن يتذوق طعم السعادة”
أعرف أن من سيقرأ السطور القادمة قد يتساءل: من هذا الذي يجرؤ على وضع اسم بيزيرا بجوار دييغو مارادونا؟
وأقول لك يا صديقي: لسنا هنا بصدد مقارنة بين لاعب هو في نظري، أعظم من لمس الكرة، وبين موهبة لا تزال تكتب سطورها الأولى.. بل نحن أمام حكايتين تتشابهان في الألم، وتلتقيان في الأمل؛ حكايتان عن مدينة انتفضت كرويًا، وفريق قرر أن يولد من جديد.
في نابولي، في وقت وقف الجنوب طويلًا في ظل سطوة الشمال الرياضية، جاءت معجزة الأرجنتيني ليقلب الموازين، ويكسر احتكار الكبار، ويحول المستحيل إلى واقع، والخيال إلى إنجاز.
قاد مارادونا فريقه إلى المنصات، بمهارة استثنائية وقدرات غير عادية فصار رمزًا، وصار أيقونة، وصارت الحكاية المتكاملة.
واليوم.. في ميت عقبة، تتكرر التفاصيل وإن اختلفت الأسماء، وتتشابه الملامح وإن تبدلت الوجوه.
نادي الزمالك.. نادٍ عريق، وتاريخ لا يُمحى، لكنه عاش فترة طويلة من عدم الاستقرار الفني والإداري، وتجرع مرارة الفقد، حتى كادت جماهيره أن تفقد الشغف قبل أن تفقد الأمل.
رحل النجوم، وتبدلت الوجوه، وكان آخرهم أحمد مصطفى زيزو، الذي خطّ اسمه بأحرف من ذهب قبل أن يشد الرحال نحو الغريم الأزلي النادي الأهلي، بعد أن دون 84 هدفًا بالقميص الأبيض واقترب أن يكون من أبناء نادي المئة هدف ومن هدفيه التاريخيين .. لتتوالى الضربات، وتتسع الفجوة، ويزداد الألم.
ولم يكن الرحيل جديدًا على القلعة البيضاء…
فـإمام عاشور مر من هنا، وأشرف بن شرقي أمتع ثم مضى، وغيرهم كثير… حتى بدا وكأن الزمالك يكتب فصول الحنين أكثر مما يكتب فصول البطولات.
ثم… جاء الصيف.
جاء ومعه اسم لم يلمع كثيرًا، وسيرة لم تلامس الإنجازات بعد، لكن معه جاءت الروح… جاء بيزيرا.
ساحر برازيلي، بلمسة لاتينية، وبقلب يعرف كيف يعزف على أوتار الجماهير.
صمم المدير الرياضي انذاك جون إدوارد على دفع الزمالك قرابة مليوني دولار ليضمه من ألكسندريا الأوكراني، فتعجب البعض، وتساءل آخرون… لكن الملعب كان له الكلمة، والموهبة كانت هي الحكم.
عاد “الفن والهندسة”… لا شعارًا يقال بالمدرجات وأمام الشاشات، بل أسلوبًا فنيًا ومهاريًا يُرى.
عاد الزمالك يُمتع، بعد أن كان يُقاتل فقط.. يُبدع بعد أن كان يكتفي بمركز مؤهل للكونفدرالية في السنوات الثلاثة الماضية… يُحلق بعد أن كان بالكاد يزحف في المستطيل الأخضر .
في نادٍ مثقل بالديون، تحاصره القضايا في أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي وصلت إلى 14 قضية، ويعاني من شح الموارد بعد أن تم سلبه أرض أكتوبر لبناء فرعه الجديد، ويُجبر على بيع نجومه ليسدد رواتب لاعبيه، وآخرهم دونجا إلى النجمة السعودي، وناصر ماهر إلى بيراميدز المصري..
ظهر الأمل من حيث لا يُنتظر، وفي وسط العتمة جاء "الضي" ..
بيزيرا… لم يكن مجرد لاعب جديد في تشكيلة الوطني معتمد جمال بل كان فكرة… وكان ثورة كروية زملكاوية… وكان وعدًا بأن الجمال لا يموت، وأن الهوية لا تُنسى حتى وأن غابت فترة..
17 مساهمة تهديفية في موسمه الأول، ولمسة تُعيد الجماهير إلى المدرجات، ومتعة تُعيد البسمة إلى الوجوه… حتى وهو يتعرض للعنف من المدافعين يبقى واقفًا، كأن الألم جزءٌ من لوحته، وكأن المعاناة طريقه نحو مجدٍ جديد.
واليوم…
الزمالك يتصدر، بفارق خمس نقاط قبل خمس جولات، ويقترب من منصةٍ غابت، ويحلم بلقب أفريقي يليق بتاريخه، ويُعيد كتابة الحكاية من جديد بعد أن أصبح على بعد خطوة واحدة من المشهد الختامي في الكونفدرالية وجائزة الـ 4 ملايين دولار بعد أن منحت القدم اليسرى للبرازيلي هدف الانتصار في ملعب نيسلون مانديلا بالجزائر أمام شباب بلوزداد.
فهل يفعلها؟
هل يكتب بيزيرا سطرًا جديدًا في رواية الزمالك ؟
هل يُنهي احتكارًا دام، ويُعلن أن للزمالك كلمة، وللتاريخ بقية؟
هنا، لا نتحدث عن لاعب… بل عن روح.
لا عن صفقة… بل عن قضية.
لا عن موسم… بل عن هوية.
شاهد احتفالاته مع العشاق والأوفياء فأصبح يحفظ عن ظهر حب كل أهازيجهم التاريخية ..
فالزمالك اليوم لا يقول: نحن الأفضل…
بل يقول، بسجع الألم وقافية الأمل:
أنا الوقوف… ضد الظروف… أنا الزعيم