حكاية الفرنسي هيرفي رينارد مع الأخضر السعودي بدأت في يوليو 2019، حين تولى القيادة في ولاية أولى حملت بين طياتها بريق البدايات ووهج الانتصارات ولغة الإنجازات.
مدرب صنع مجده في القارة السمراء، وتوج نفسه ملكًا على عرشها، كأول من جمع بين لقبين إفريقيين مع منتخبين مختلفين.. فجاء إلى الأخضر، فكتب فصلًا مشرقًا، وسطر تاريخًا مُلهمًا.
خاض 45 مباراة دولية، حقق خلالها 21 انتصارًا، وقاد الأخضر للتأهل إلى مونديال قطر 2022 متصدرًا مجموعته.. وهناك كانت ليلة لوسيل الخالدة، حين سقط بطل العالم، التانجو الأرجنتيني، في مشهدٍ لا يُنسى، ودرس لا يُمحى.. قبل أن تتعثر الخطى أمام بولندا والمكسيك.
كانت تلك حكاية أولى.. عنوانها النجاح، وفصولها الكفاح، وخاتمتها الإفصاح عن مدرب يعرف طريق الفلاح.
لكن في الولاية الثانية، تبدلت النغمة، وخفت البصمة، وغاب ذلك البريق الذي كان يلمع في كل طريق.
الديك الفرنسي ابتعد عن سكة الانتصارات، وتاه بين الخيارات، حتى أصبح صوته نشازًا في سمفونية الكرة السعودية، لا يُطرب، ولا يُقنع، ولا يُمتع.
28 مباراة دولية.. 11 انتصارًا فقط، وأداء يتراجع، ومستوى يتناقص، ونتائج لا تُنافس الطموح ولا تُلامس السقف المشروع في الكرة السعودية تطورًا وحضورًا.
تأهل عبر الملحق بعد تعادل باهت أمام العراق في جدة، وكأن الطريق إلى المونديال لم يعد يُعبد بالثقة، بل يُرصف بالحذر والارتباك حتى آخر اللحظات.
ثم جاءت رباعية مصر الودية في جوهرة جدة المشعة لا كخسارة عابرة، بل كصفعة كاشفة، وعاصفة جارفـة، فضحت الخلل، وكشفت العلل، وأشعلت الجدل في كل محفل.
هزيمة فتحت الأبواب للأسئلة، وأغلقت نوافذ الطمأنينة على الأخضر.
الأخضر اليوم بلا هوية، بلا رواية، بلا بداية واضحة ولا نهاية واعدة.
لا هو فريق استحواذ يُجيد البناء من الخلف، ولا هو منتخب يعتمد على اللعب المباشر فيُحسن الإنهاء أو فريق جماعي يدافع جيدًا ويعتمد على التحولات الهجومية.
تخبطٌ في الاختيارات، وتبدل في القرارات، خاصة في مركز رأس الحربة مرة فراس البريكان، وأخرى صالح الشهري، وثالثة عبدالله رديف، ورابعة عبدالله الحمدان.. وكأن الحل غائب، أو أن الجواب تائه بين الأبواب.
الأرقام لا تجامل ولا تُجامل من يُهمل:
59 لاعبًا خلال أكثر من 500 يوم منذ تولى رينارد المهمة رقمٌ يُجسد ويعكس غياب الرؤية الفنية، ويؤكد أن الاستقرار غائب، وأن القرار شارد.
أما شماعة “الدوري لا يُنجب المواهب”… فهي حجة واهية، ورواية ساقطة.
مصعب الجوير يتألق هناك مع بنو قادس ويغيب هنا،
محمد كنو يبدع مع الهلال ويختفي مع المنتخب،
وسالم الدوسري، نجم آسيا الأول، لا يُوظف حيث يُبدع، ولا يُستثمر حيث يُمتع.
الذهاب إلى مونديال 2026 بهذه الصورة مخاطرة محفوفة بالمخاوف، ومغامرة مليئة بالهواجس.
فرينارد اليوم.. ليس رينارد الأمس،
والأخضر الآن.. ليس أخضر الأمس.
ويبقى السؤال حاضرًا، صارخًا، واضحًا:
هل يستحق الاستمرار أم أن التغيير بات ضرورة، لا رفاهية قبل المونديال لإنقاذ ما تبقى، قبل أن تضيع ابتسامة الأخضر في زحام الندم..