في رباعيات صلاح جاهين بيقول:
إنسان .. أيا انسان ما أجهلك
ما أتفهك فى الكون وما أضألك
شمس وقمر وسدوم وملايين نجوم
وفاكرها يا موهوم مخلوقة لك؟
عجبى؟!
يبدو أن كوكبنا في السنوات الأخيرة قد انقسم إلى عالمين لا يلتقيان، وإن كانا يعيشان على الأرض ذاتها وتحت السماء نفسها. عالمٌ تُكتب فيه الخرائط من جديد، تُعاد فيه صياغة الحدود وتُحفر فيه أسماء المدن على شواهد الدمار، وعالمٌ آخر منشغلٌ بسؤال صغير للغاية: من تصدَّر المشاهدات؟ ومن كسب معركة “الترند” هذا المساء؟
في العالم الأول، تتحرك الجغرافيا كما لو كانت قطعة شطرنج على طاولة عملاقة. دولٌ تنهار، وأخرى تولد من رحم الحروب، وجيوشٌ تسير، ومدنٌ تُمحى من ذاكرة العمران. هناك رجال يجلسون خلف طاولات طويلة يرسمون خطوطًا على الخرائط، ويقررون في هدوء بارد مصائر ملايين البشر. هنا يُعاد ترسيم الشرق الأوسط مرة أخرى، كما لو أن التاريخ قرر أن يعيد امتحانه القديم، وأن يطرح الأسئلة ذاتها لكن بأسماء جديدة ودماء أحدث.
لكن، في الوقت نفسه، وفي العالم الموازي الذي يسكن الشاشات الصغيرة، تدور معارك أخرى لا تقل ضجيجًا، وإن كانت أقل وزنًا. هناك حربٌ طاحنة حول أي مسلسلٍ حقق أعلى نسبة مشاهدة، وأي فنانٍ كسر “الترند”، وأي إعلانٍ انتصر في معركة الأرقام. آلاف الكلمات تُكتب، وملايين التعليقات تتطاير، وكأن مصير البشرية معلّق فعلًا على نتيجة هذا السباق الخفيف.
المشهد يبدو أحيانًا كأنه مسرحٌ مزدوج. على خشبة المسرح الكبرى، تُعرض مأساة إنسانية ضخمة: مدنٌ تتداعى، ولاجئون يسيرون في الطرقات الطويلة، وأمهات يبحثن عن أطفالهن بين الركام. أما على الخشبة الجانبية، فهناك عرضٌ صاخبٌ من الضحك والجدال حول أي حلقةٍ كانت أضعف، وأي بطلٍ كان أداؤه أقوى.
المفارقة ليست في وجود الترفيه، فالإنسان منذ فجر التاريخ احتاج إلى الحكاية كي يخفف وطأة الحياة، واحتاج إلى الضحك كي ينجو من ثقل الأيام. لكن المفارقة الحقيقية تكمن في اختلال الميزان؛ حين يتحول الهامش إلى مركز، ويغدو الحدث العابر أعلى صوتًا من الزلزال الحقيقي الذي يهز الأرض من تحت أقدامنا.
في زمنٍ ما، كان الناس يتابعون الأخبار ثم يذهبون إلى الحكايات. أما الآن، فيبدو أننا نمر على الأخبار مرورًا عابرًا، ثم نقيم في الحكايات إقامة طويلة. الحرب خبرٌ سريع، أما الجدل حول مسلسلٍ ما فيتحول إلى معركة ممتدة، تتوالد منها معارك أخرى، حتى يبدو وكأن العالم الحقيقي مجرد خلفية بعيدة لمشهدٍ افتراضي طويل.
وربما تكمن خطورة هذا العالم الموازي في أنه لا يكتفي بأن يكون مرآةً للواقع، بل يصبح بديلًا عنه. فبدلًا من أن نواجه الأسئلة الثقيلة التي يطرحها الزمن، نلوذ بأسئلة أخف وزنًا، أكثر قابليةً للجدال، وأقل قدرةً على إيلام الضمير.
وفي كل مرة تشتعل فيها أزمة كبرى، تتكرر الظاهرة نفسها. تتصدر صور الدمار يومًا أو يومين، ثم تتراجع قليلًا إلى الخلف، بينما يتقدم مشهد آخر: مشهد الجدل، والضحك، والخصومات الصغيرة التي تدور في فضاء الشاشات.
كأن البشرية قد اكتشفت وسيلة خفية للهروب من ثقل العالم: أن تصنع عالمًا آخر، أخف وأسرع وأقل ألمًا، عالمًا يمكن فيه إغلاق الشاشة متى شئنا، والانتقال إلى موضوعٍ جديد بمجرد لمسة إصبع.
غير أن العالم الحقيقي لا يُغلق بهذه السهولة. فالحروب لا تختفي لأننا تجاهلناها، والخرائط لا تتوقف عن التغير لأننا انشغلنا بحلقةٍ جديدة من مسلسلٍ ما. العالم الواقعي يمضي في طريقه، ثقيلًا وعنيدًا، بينما يستمر العالم الموازي في إنتاج الضجيج.
وفي النهاية، يظل السؤال معلقًا في الهواء:
هل نحن الذين صنعنا هذا العالم الموازي لنحتمي به من قسوة الواقع؟ أم أن الواقع نفسه أصبح قاسيًا إلى حدٍّ جعلنا نفضّل الحياة في نسخةٍ أخف منه؟
ربما الإجابة ليست مهمة بقدر أهمية الملاحظة نفسها: أن العالم، في هذه اللحظة من التاريخ، يبدو وكأنه يعيش حياتين في آن واحد؛ حياةً حقيقية تُكتب بالدم والخرائط، وحياةً أخرى تُكتب بالأرقام والمشاهدات.
وبين الحياتين، يقف الإنسان المعاصر، ممسكًا بهاتفه، يتنقل بين خبرٍ عن حربٍ قد تغيّر شكل المنطقة لعقود، ومنشورٍ غاضب عن ترتيب مسلسلٍ في قائمة الأكثر مشاهدة.
كأننا نعيش فعلًا في عالمٍ موازٍ؛ عالمٍ لا يرفض الواقع، لكنه يصر على أن يخفف وطأته بالضجيج.