الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 4 4 دقيقة visibility 104

إيمان مكاوي تكتب: حق المطلقات والأرامل في الجمع بين العمل ومعاش الأب

schedule
إيمان مكاوي تكتب: حق المطلقات والأرامل في الجمع بين العمل ومعاش الأب
إن تمكين المرأة من الجمع بين عملها ومعاش والدها ليس استثناءً، بل استعادة لحق أصيل. فالأب الذي سدد اشتراكاته لم يكن يدخر للدولة، بل لأسرته.

كيف يمكن للقانون أن يستعيد دوره كضامن للعدالة… لا كدافع للهروب منها؟

أولًا: في إطار السعي نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للمرأة المصرية، تبرز قضية بالغة الأهمية تمس حياة قطاع واسع من النساء، وهي حق السيدة المطلقة أو الأرملة في الجمع بين معاش والدها المتوفى ودخلها من العمل.

هذا المعاش ليس منحة، بل استحقاق قانوني وأخلاقي، قائم على اشتراكات مالية قام الأب بسدادها من ماله الخاص طوال سنوات خدمته، بهدف تأمين مستقبل أسرته. ومع ذلك، يكشف التطبيق العملي عن مفارقة مؤلمة، حيث تُحرم كثير من السيدات من هذا الحق لمجرد أنهن يعملن أو لديهن مصدر دخل، في تناقض صريح مع مبادئ العدالة الاجتماعية وروح الدستور.

إن عمل المرأة لا يجب أن يتحول إلى سبب لحرمانها من حقها، بل يجب أن يكون مدخلًا لتعزيز استقلالها وكرامتها. فالجمع بين المعاش والعمل ليس مخالفة، بل هو تعبير حقيقي عن مفهوم الكرامة الإنسانية والتمكين الاقتصادي.

ثانيًا: الإطار القانوني والدستوري

ينطلق هذا الحق من أرضية دستورية وتشريعية واضحة:

1. الدستور المصري (2014 وتعديلاته):

المادة (11): تؤكد التزام الدولة بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وضمان تمكين المرأة من التوفيق بين مسؤوليات الأسرة والعمل، وتوفير الحماية الاجتماعية للمطلقة والأرملة.

المادة (17): تكفل خدمات التأمين الاجتماعي بما يضمن حياة كريمة.

المادة (33): تحمي الملكية الخاصة، وهو ما يشمل الحقوق المالية الناشئة عن الاشتراكات التأمينية.

2. قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019:

المادة (102): تجيز الجمع بين المعاش والدخل في حدود معينة، مع منح استثناءات لفئات محددة.

المادة (104): تؤكد استمرار صرف المعاش بزوال سبب المنع، بما يعكس مرونة تشريعية يمكن البناء عليها.

3. قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018:

المادة (25): تجيز الجمع بين المعاش والدخل دون قيود، وهو ما يمثل سابقة تشريعية مهمة يمكن القياس عليها لتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية.

ثالثًا: التحليل والمبررات القانونية والاجتماعية

1. من منظور العدالة الاجتماعية:

حرمان المرأة من معاش والدها بسبب عملها يُعد تناقضًا مع فلسفة الدولة التي تُعلي من قيمة العمل. فالعمل ليس جريمة، بل قيمة إنسانية ومصدر كرامة. ومن غير المنطقي أن تُعاقَب المرأة على سعيها للاستقلال وتحسين مستوى معيشتها.

2. من منظور اجتماعي وإنساني:

إن شرط “عدم الزواج” لاستحقاق المعاش لم يعد يعكس الواقع. فدور الأب لا ينتهي بزواج ابنته، كما أن الزواج لم يعد ضمانًا للاستقرار الاقتصادي.

الأخطر أن هذا الشرط أسهم في خلق ظواهر مقلقة، يمكن توصيفها سوسيولوجيًا بـ**“الزواج الخفي بدافع الحماية الاقتصادية”، حيث تضطر بعض النساء إلى إخفاء زواجهن أو اللجوء إلى علاقات غير موثقة حفاظًا على مصدر دخل يمثل لهن الأمان.

وهنا لا نتحدث عن تحايل فردي، بل عن تشوه في الحوافز الاجتماعية يدفع النساء إلى العمل في الظل، ويُنتج ما يمكن تسميته بـ“الهشاشة الأسرية غير المرئية”**.

3. من منظور واقعي:

في ظل التحديات الاقتصادية، لا يكفي المعاش وحده، كما لا يكفي العمل في كثير من الأحيان. ومن ثم، فإن الجمع بينهما ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار.

4. من منظور دستوري:

الدستور يقر بأن العدالة الاجتماعية والتكافل مسؤولية الدولة. وربط الاستحقاق بالحالة الاجتماعية دون النظر إلى الاحتياج الفعلي يُعد تمييزًا غير مبرر، يتعارض مع مبدأ المساواة.

رابعًا: التوصيات والمقترحات

1. تعديل المادة (102) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، لتشمل نصًا صريحًا:

“يجوز للمرأة المطلقة أو الأرملة الجمع بين دخلها من العمل ومعاش والدها المتوفى، متى ثبت احتياجها الفعلي أو مسؤوليتها عن إعالة الأسرة.”

2. إصدار كتاب دوري من الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لتفعيل هذا التوجه مؤقتًا، لحين التعديل التشريعي.

3. تشكيل لجنة متخصصة بوزارة التضامن الاجتماعي للنظر في تظلمات السيدات المتضررات.

4. إدراج هذا الحق ضمن مؤشرات العدالة الاقتصادية في الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030

5. إطلاق حملة توعوية وطنية بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة لتعريف السيدات بحقوقهن التأمينية.

خامسًا: الخاتمة

إن تمكين المرأة من الجمع بين عملها ومعاش والدها ليس استثناءً، بل استعادة لحق أصيل. فالأب الذي سدد اشتراكاته لم يكن يدخر للدولة، بل لأسرته.

لكن الأخطر من الحرمان نفسه، هو ما ينتجه من آثار غير مباشرة، حين تُدفع النساء – تحت ضغط الحاجة – إلى إخفاء حقائق حياتهن، والدخول في مسارات غير آمنة.

في النهاية، ليست المشكلة أن بعض النساء لجأن إلى الظل…

بل أن النور نفسه لم يعد آمنًا بما يكفي.

وحين يُجبر القانون المرأة على الاختيار بين كرامتها الاقتصادية ووضوح حياتها،

فإن السؤال الحقيقي لا يكون: لماذا تتحايل؟

بل: كيف نعيد صياغة القانون ليكون حارسًا للعدالة… لا سببًا للهروب منها؟

 

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe