مراجعة استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة "القوة الناعمة" المصرية ..
تواجه الثقافة المصرية اليوم مفارقة "الوفرة الهيكلية والفقر الوظيفي".
فبينما تضخ الدولة استثمارات هائلة في البنية التحتية السينمائية، تظل مخرجات هذه المنظومة رهينة لآليات السوق الاستهلاكية. إننا بحاجة إلى "ثورة إدارية" تعيد تعريف دور الوزارة من "ممول ومراقب" إلى "منتج استراتيجي وصانع للقيمة".
المحور الأول: مشروع «سينما الشعب».. تحرير "العدالة الثقافية" من التبعية التجارية
يمثل مشروع "سينما الشعب" العمود الفقري لاستراتيجية الوصول للمناطق المحرومة، لكن تشريحه بنيوياً يكشف عن تحديات جوهرية:
* تجاوز "الدور الوسيط": لا يمكن للدولة أن تكتفي بدور "المؤجر" لقاعاتها لصالح شركات التوزيع الخاصة. هذا النموذج يحول "قصور الثقافة" إلى فروع تابعة لسينمات المولات الكبرى.
* السياسة البديلة: يجب تخصيص "كوتة سيادية" (حصة زمنية إجبارية) بنسبة لا تقل عن 40% من ساعات العرض للمحتوى الذي تنتجه أو ترممه الدولة (وثائقي، تراثي، سينما مستقلة هادفة). الهدف هو خلق "ذائقة موازية" لا تلهث خلف شباك التذاكر فقط.
* الاشتباك التفاعلي: تحويل دور العرض إلى "مختبرات وعي" عبر تفعيل صالونات النقد السينمائي بعد العروض، وربطها بالمنظومة التعليمية في المحافظات، لضمان تحول "المشاهدة" إلى "عملية تثقيفية".
المحور الثاني: حوكمة الدعم المالي.. الانتقال إلى “التمويل القائم على الأثر”
تستنزف المهرجانات والجمعيات الأهلية ميزانيات ضخمة دون وجود آليات "محاسبة إبداعية". الحل يكمن في تطبيق نموذج "عقود الأداء" :
* تفكيك "شيكات الدعم" التقليدية: يجب ألا يُصرف جنيه واحد لأي مهرجان أو جمعية إلا بموجب "خطة مستهدفات" (KPIs) تشمل: (عدد المواهب الجديدة المكتشفة، حجم الإنتاج المشترك، ومدى الانتشار في الفئات العمرية الحرجة).
* المهرجانات كـ "حاضنات" (Incubators): تحويل الدعم الموجه للمهرجانات من
"الإنفاق على السجادة الحمراء" إلى "الإنفاق على منصات الإنتاج". المهرجان الذي لا يخرج منه 5 أفلام مدعومة سنوياً هو مهرجان "مهدر للموارد".
* الرقابة البعدية:
تدشين "وحدة قياس الأثر الثقافي" بالوزارة،
لتقييم الفعاليات بعد انتهائها بشهر، وربط نتائج التقييم بحجم دعم العام التالي.
المحور الثالث: المؤسسة القابضة والاستوديوهات.. "السيادة الإبداعية" عبر الاستثمار
تطوير استوديوهات (الأهرام، النحاس، جلال) وتزويدها بتكنولوجيا (Post-production) هو "تمكين تقني" يحتاج إلى "رؤية تشغيلية":
* من "المؤجر" إلى "المنتج المنفذ": الدور الاستراتيجي للمؤسسة القابضة هو الدخول كشريك (Co-producer) في الأعمال التي تخدم الأجندة الوطنية.
هذا يمنح الدولة "حق الفيتو" على المحتوى، وحصة في الأرباح تضمن الاستدامة المالية.
* توطين تكنولوجيا "ما بعد الإنتاج": استوديوهات الدولة يجب أن تكون "المركز الإقليمي" لتصحيح الألوان والمكساج الرقمي. هذا ليس مجرد استثمار مالي، بل هو "سيطرة فنية" على جودة الصورة الذهنية للدولة المصرية المصدرة للخارج.
* اقتصاديات التراث المرمم: تحويل الأفلام المرممة بتقنية 4K إلى "منتجات رقمية" تُسوق للمنصات العالمية (Netflix, Shahid, إلخ)، وتُعرض في "سينما الشعب" كجزء من معركة استعادة الذاكرة الوطنية.
المحور الرابع: سد "الفجوة الإنتاجية".. الحلقة المفقودة (المنتج الوطني)
نحن نمتلك "المصنع" (الاستوديوهات) و"المتجر" (سينما الشعب)، لكننا نفتقد "السلعة". غياب "شركة إنتاج وطنية كبرى" هو الثغرة التي يتسلل منها الوعي المشوه:
* صناعة "الفيلم الحدث": الحاجة لإنتاج عملين روائيين ضخمين سنوياً يتناولان قضايا الهوية والبطولات المعاصرة بأسلوب بصري عالمي. الوعي لا يُبنى بالخطابة، بل بالصورة المبهرة والدراما المحكمة التي تجذب جيل الـ (Z).
* تكامل المسارات: ربط مخرجات "المركز القومي للسينما" (ورش السيناريو) بخطوط الإنتاج في الاستوديوهات المحدثة، لخلق دورة حياة كاملة تبدأ من الموهبة وتنتهي بالشاشة، تحت مظلة استراتيجية موحدة.
.. خارطة الطريق
* حوكمة رقمية: إنشاء قاعدة بيانات موحدة تربط التمويل بالمخرجات لحظياً.
* السيادة البرامجية: فرض "كوتة ثقافية" في كافة دور العرض التابعة للدولة.
* الاستثمار السيادي: تحويل "الشركة القابضة" من مدير للأصول إلى "قاطرة إنتاجية" تنافس في السوق المفتوح برؤية وطنية.
إن الثقافة ليست قطاعاً خدمياً، بل هي "صناعة سيادية". وإذا لم تملأ الدولة شاشاتها بصورها، فسيملأها الآخرون بصورهم. الإدارة الاستراتيجية للأصول هي الضمان الوحيد لاستعادة الريادة وتشكيل وجدان الأجيال القادمة بعيداً عن عشوائية السوق.
إيمان مكاوي