الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 3 3 دقيقة visibility 132

د. محمد غالي يكتب: انعكاس رؤية الإمام علي بن أبي طالب على سياسة التيسيرات الضريبية لـ«كجوك»

schedule
د. محمد غالي يكتب: انعكاس رؤية الإمام علي بن أبي طالب على سياسة التيسيرات الضريبية لـ«كجوك»

​في تاريخ الفكر الاقتصادي ، غالباً ما يُنظر إلى "منحنى لافير" (Laffer Curve 1974) كأصل فكرة أن خفض الضرائب قد يؤدي لزيادة الحصيلة. لكن المتعمق في التراث الإسلامي يجد أن الإمام علي بن أبي طالب قد وضع حجر الزاوية لهذه النظرية قبل قرون، وتحديداً في عهده الشهير لمالك الأشتر حين ولاه مصر، حيث قال مقولته التي ما زالت أصداؤها تتردد في أروقة السياسة المالية حتى اليوم: ​"وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ."

​واليوم، ونحن نتابع "حزمة التسهيلات الضريبية " التي أعلن عنها وزير المالية أحمد كجوك منذ فترة، نجد أنفسنا أمام محاولة عصرية لاستلهام تلك الحكمة القديمة: "استصلاح وعمارة الأرض قبل طلب الخراج".

​ظل الفكر الاقتصادي يتأرجح بين الفكر الرأسمالي والاشتراكي؛ أي بين إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي وبين جعل العدالة الاجتماعية أولاً، ولم يفلح أيٌ من الأمرين منفردًا. فتحقيق النمو الاقتصادي فقط لم يؤدِّ إلا إلى "رأسمالية المحاسيب" وزيادة حجم الكعكة مع توزيعها على مجموعة معينة، وهو ما عانت منه مصر في السنوات السابقة لعام 2010. وكذلك تحقيق العدالة الاجتماعية وحدها لم يؤدِّ إلا إلى صغر حجم الكعكة وتوزيع مزيد من الفقر.

​من هنا، اهتدت المؤسسات الاقتصادية الدولية وعلماء الاقتصاد في بداية الألفية الثالثة إلى مصطلح "النمو الاحتوائي " (Inclusive Growth)؛ أي التوازن بين تحقيق النمو الاقتصادي (كبر حجم الكعكة) دون الإخلال بالعدالة الاجتماعية وحماية الطبقات ذات الدخل المحدود.

​هنا نلمس حكمة الإمام علي (باب مدينة العلم كما كان يلقبه رسولنا الكريم) وانعكاسها على رؤية الوزير أحمد كجوك؛ فمنذ أن تولى حقيبة المالية نلمس تحولاً استراتيجياً من عقلية "الجباية الصماء" التي تستهدف جمع الحصيلة بأي ثمن، إلى مفهوم "الضريبة الوظيفية" التي تسعى لبناء الاقتصاد قبل ملء الخزائن.

​هذا التحول يتجسد في استخدام الضريبة كأداة هندسية لتوجيه المجتمع والأسواق؛ فلم تعد مجرد رقم يُستقطع، بل أصبحت أداة تحفيزية عبر حزمة تسهيلات غير مسبوقة للقطاعات المستهدفة والمشروعات الصغيرة، لإقناع الممول بأن الدولة داعم وشريك في تحقيق الربح وليست خصماً؛ فالحفاظ على "المعين" هو الهدف الأول لسياسة كجوك الضريبية.

​ولم يتوقف هذا التطور عند الأهداف المالية فحسب، بل امتد لتوظيف الضريبة في تحقيق أهداف غير مالية (اجتماعية وصحية)، حيث باتت الضريبة أداة لتقويم السلوك العام. يظهر ذلك بوضوح في:

  • ​سياسة التوسع الضريبي: على السجائر والمشروبات الروحية.
  • ​التفرقة الضريبية: التوجه الحالي للتمييز بين "العصائر المحلاة بالسكر" وبين "العصائر الطبيعية" (Pure).
  • ​دمج القطاع غير الرسمي (Informal Sector): من خلال التيسير على القطاع الرسمي؛ فالقطاع غير الرسمي لن يتحول إلى المظلة الرسمية دون الشعور بأن الدولة تقف بجانبه، وأن الجباية لم تعد الأولوية الوحيدة في مستهدفات الدولة.

​ولم يغفل كجوك مفهوم العدالة الاجتماعية؛ ففي مقترح تعديل قانون الضريبة العقارية ، يرسي مبدأ "القدرة على الدفع" وتوجيه الحصيلة لإعادة التوازن الاجتماعي. ويمكن تلخيص فلسفته بخصوص البعد الاجتماعي في نقطة جوهرية هي: إعفاء "السكن الخاص" وتوسيع الحماية الاجتماعية.

​الفلسفة هنا تفرق بوضوح بين "السكن كحق إنساني" و"العقار كاستثمار". يسعى كجوك لرفع حد الإعفاء للوحدات السكنية التي يتخذها المواطنون سكناً رئيسياً لهم، لضمان عدم مساس الضريبة بالطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل. هذا يتماشى تماماً مع قول الإمام علي: "فإن شكوا ثقلاً.. خففت عنهم"؛ فالعدالة هنا تعني أن الدولة لا تشرك المواطن في ثمن مأواه، بل في فوائض ثروته.

​إن التاريخ يعلمنا أنه في أوقات الحرب لا تُختبر الجيوش فقط، بل تُختبر الاقتصادات أيضاً. ورهان الحكومة المصرية اليوم عبر حزمة كجوك هو رهان على "مرونة الاقتصاد المصري" وقدرته على امتصاص الصدمات، ومنها الحرب الحالية في إيران وغيرها، من خلال تبني لغة الشراكة لا الجباية.

​فالخراج الحقيقي هو بقاء المصانع تعمل والمزارع تنتج، حتى وإن عصفت بالمنطقة رياح الحرب.

​حمى الله مصر.. حمى الله الجيش.

وكل عام وحضراتكم بخير.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe