كنتُ في رحلة من الإسكندرية إلى التجمع لزيارة صديق. هاتفته عند انطلاقي في الثانية عشرة ظهرًا، وأخبرته أنني سأصل خلال ثلاث ساعات، بعد ساعة واحدة فقط، اضطررت للاتصال به مرة أخرى: “هناك حادث كبير على الطريق، توقع وصولي في الرابعة بدلاً من الثالثة”. لم تمر دقائق حتى واجهت السيارة عطلًا تقنيًا حدَّ من سرعتها إلى 80 كم/ساعة، فاتصلت معتذرًا: "لولا أهمية اللقاء لألغيته، سأصل في السادسة مساءً".
وأخيرًا، بعد استشارة ميكانيكي خبير عبر الهاتف، أرشدني إلى ضبط "فيشة" مهتزة؛ عادت السيارة إلى كفاءتها، فاتصلت به للمرة الرابعة مؤكدًا: "سأكون عندك في تمام الرابعة".
هذه القصة ليست واقعية، بل خيالية من بنات افكاري صغتها لأوضح لك، عزيزي القارئ، كيف يعمل "المحرك" الاقتصادي.
الاقتصاد… العلم "الكئيب" الذي تتغير نتائجه مع كل متغير
فالاقتصاد —ذلك "العلم الكئيب" (the dismal science) كما وصفه الكاتب والفيلسوف الإسكتلندي توماس كارلايل (Thomas Carlyle)— منظومة معقدة شديدة التداخل، تقوم على عشرات المتغيرات، وبمجرد تغير معطى واحد، ينهار التوقع كله، والخبرة الحقيقية في هذا العلم تكمن في استيعاب أكبر عدد ممكن من هذه المتغيرات، مع الاعتماد على مصادر معلومات دقيقة، ومع ذلك، تبقى القاعدة الذهبية: كلما تغيرت المعطيات، تغيرت النتائج.
عندما ضرب الكساد الكبير العالم في أكتوبر 1929، كان الرأي السائد أن السوق سيصحح نفسه بنفسه عبر "اليد الخفية" (the invisible hand)، لكن جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) ثار على هذه المبادئ التقليدية، مدركًا أن الاقتصاد أصيب بـ"سكتة قلبية" أوقفت كل متغيراته.
رأى كينز أن الحل يكمن في تخلي الدولة عن دور "الحارس "، والتدخل المباشر عبر الإنفاق العام — حتى لو كان "حفر حفرة ثم ردمها"، كما قال عند سؤاله.
وأصبحت أفكاره "غرفة الإنعاش" التي أنقذت الاقتصاد العالمي، واستُدعيت مرارًا في الأزمات، كما فعلت الصين في 2008 حين أعلنت حزمة تحفيز بقيمة 4 تريليون يوان (حوالي 586 مليار دولار) موجهة أساسًا إلى البنية التحتية والمشاريع الاجتماعية منها بناء كوبري يربط بين بكين وشنغهاي.
لكن نظرية كينز، برغم عبقريتها في معالجة الأزمات قصيرة الأجل، واجهت تحدي الاستدامة طويلة الأمد. فعندما سُئل عن الحل على المدى الطويل، جاءت إجابته الشهيرة: "في المدى الطويل، سنكون جميعًا قد متنا" (In the long run, we are all dead)، لذا، لم تعد صالحة لكل الظروف؛ فطبيعة الأزمات تتغير بتغير المتغيرات، وكذلك طرق علاجها.
السياسة الاقتصادية بين "التيسير المالي" والتشدد النقدي
شهدنا ذلك بوضوح في أزمة كوفيد-19، حيث اعتمد العالم سياسات "التيسير المالي" (easy monetary policy) وضخ السيولة لمنع شلل الأسواق — متسقًا مع الفكر الكينزي، أما الأزمة الناتجة عن الحرب الروسية-الأوكرانية، فقد واجهها الفيدرالي الأمريكي بتشدد نقدي عبر رفع أسعار الفائدة. هذا يؤكد أن الدواء الاقتصادي يعتمد دائمًا على تشخيص دقيق لطبيعة الأزمة، لا على قوالب جاهزة.
وعلى الصعيد المحلي، تتباين آثار الأزمات بتباين مسبباتها. في أزمة 2008، استفادت مصر جزئيًا من انخفاض أسعار الوقود والغذاء عالميًا (مما خفف فاتورة الدعم)، ومكّن الحكومة من إطلاق حزمة تحفيزية (fiscal stimulus package) بقيمة حوالي 15.5 مليار جنيه (نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي)، موجهة بشكل أساسي إلى مشاريع البنية التحتية مثل المياه والصرف الصحي والطرق، أما في أزمة كورونا، فقد ساعد انتعاش الصادرات الزراعية — خاصة الموالح والخضروات — في تخفيف التأثير. لكن الأزمات الأخيرة (الحرب الروسية-الأوكرانية والتوترات الإيرانية-الأمريكية) جاءت أقسى، بسبب التشديد المالي العالمي، وخروج "الأموال الساخنة" (hot money)، وارتفاع تكلفة الطاقة.
أصبحت اليوم الأزمات “عصية على التوقع”، حتى كينز نفسه خسر نسبة كبيرة من ثروته في بورصتي لندن ونيويورك قبل أن يعيد بناءها.
وفي الأزمة الحالية، خالف الذهب قاعدته التاريخية، إذ انخفض من قمة تجاوزت 5600 دولار للأوقية (في يناير 2026) إلى ما دون 4400 دولار أثناء كتابة هذه السطور، نتيجة "فخ السيولة" (liquidity trap) حيث سيّلت المؤسسات الذهب لتغطية خسائر الأسهم.
تفكيك شفرة هذه التعقيدات يعلمنا أنه لا توجد دولة تملك "الحقيقة المطلقة"، حتى أمريكا بهيمنتها الاقتصادية ومطبعتها الدولارية، فالأزمة الحالية تثبت حقيقة —رغم فارق القوة— أن الغرب ليس بهذه القوة ومؤكد أننا لسنا بهذا الضعف.