الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 3 3 دقيقة visibility 182

قطايف الخبر لايف .. بقلم : د. محمد غالي

schedule
قطايف الخبر لايف  .. بقلم : د. محمد غالي

فلسفة ابن عوف: من "دلّوني على السوق" إلى عصر "الشارك تانك" ورحلة المليار

في قلب المدينة المنورة، وقف الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف بعدما ترك خلفه ثروة طائلة في مكة، وهاجر مع رسولنا الكريم ﷺ لا يملك من حطام الدنيا شيئاً. هناك، عرض عليه الأنصاري سعد بن الربيع "صفقة" لا تُرفض بمقاييس عصرنا؛ نصف بيته ونصف ثروته كتمويل مجاني. لكن ابن عوف، بعزة نفس المؤسس وعبقرية التاجر، قال قولته الشهيرة: "بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّوني على السوق".

بهذا الموقف، رفض ابن عوف أكبر عرض تمويلي بلا مقابل، مؤمناً بأن صناعة الثراء تبدأ من الأرض لا من القروض. لقد سبق الجميع قبل 1400 عام، وقبل أن يؤسس "فيليب كوتلر" (Philip Kotler) علم التسويق الحديث، ليُرسي مبدأً ذهبياً: "التجارة تبدأ من خلق الطلب وفهم السوق". إنه الدرس الأول والأهم لرواد الأعمال في عصرنا الحديث، ولمتسابقي برنامج "شارك تانك" (Shark Tank) الباحثين عن "سيولة" التوسع قبل أن يمتلكوا "خبرة" الميدان.

في برنامجها الرمضاني "رحلة المليار"، استضافت الإعلامية لميس الحديدي نخبة من أباطرة المال لسؤالهم عن خلطة النجاح. لكن الصدمة كانت في حجم الخسائر ؛ حيث تحدث محمد فاروق (صاحب موبيكا) عن خسارة 60% من ثروته في مغامرة تكنولوجية غير محسوبة بالخارج، وروى نجيب ساويرس كيف كلفه "العناد" مع شريك في لحظة انفعال خسارة 600 مليون يورو، حين اندفع لشراء حصة سوقية تراجعت قيمتها فور التنفيذ.

ومع كامل التقدير لرحلات نجاح هؤلاء، إلا أن معظمهم جاء من عائلات تجارية عريقة (Business Families)، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن لشباب اليوم تعميم هذه النماذج؟ وهل "سر الخلطة" الذي قدموه يصلح لمن يبدأ من الصفر؟

على عكس "مغامرات المليار" الحديثة، عاد عبد الرحمن بن عوف من السوق ومعه "مفاتيح"  وخلطه صالحة لكل زمان ومكان. حين سُئل عن سر تحوله السريع من فقير إلى ثري، كشف عن خوارزميته الثلاثية: "والله ما استقللتُ ربحاً، ولا بعتُ بدَين، ولا رددتُ بركة".

وإذا ما ترجمنا هذه الكلمات بلغة الاقتصاد المعاصر، سنجد الآتي:

"ما استقللتُ ربحاً قط": هي استراتيجية الاستحواذ على الحصة السوقية (Market Share) عبر هامش ربح بسيط مع سرعة دوران رهيبة لرأس المال.

"ولا بعتُ بدَين": هي أسمى قواعد إدارة السيولة (Cash Flow Management)، ذلك "الأوكسجين" الذي يضمن بقاء المشروعات حية في الأزمات ويحميها من فخ "الديون المعدومة".

"ولا رددتُ بركة": هي عقلية "المرونة والفرص المتاحة" (Agility)؛ أي عدم التعالي على أي فرصة استثمارية صغيرة، إيماناً بمبدأ "النمو التراكمي" الذي يحول الشركات الناشئة إلى كيانات عابرة للقارات.

لم تتوقف عبقرية ابن عوف عند الأرقام، بل أرست دعائم مفهومين هما ذروة سنام الأعمال اليوم:

الأول: المسؤولية المجتمعية (CSR): وتجلت حين اهتزت المدينة بقافلته الكبرى (700 ناقة) المحملة بخيرات الشام، فوهبها كاملة بأحمالها وأقتابها للمجتمع، مبرهناً على أن استدامة الثروة تبدأ من إغناء المجتمع.

الثاني: الحوكمة والزهد الإداري: في وقت يعاني فيه العالم من "تزاوج المال بالسلطة"، ضرب ابن عوف أروع الأمثلة حين كان أحد الستة المرشحين لخلافة عمر بن الخطاب؛ فآثر استقرار المنظومة على بريق الكرسي، وتنازل عن حقه في الترشح ليدير عملية الاختيار بنزاهة، مؤكداً أن القائد الحقيقي هو من يضع "مصلحة المؤسسة" فوق "طموحه الشخصي".

إن "رحلة المليار" عند عبد الرحمن بن عوف تخبرنا أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى جشع، بل يحتاج إلى عزة نفس في البدء، وذكاء في التعامل مع السوق، وأمانة في "رد البركة" للمجتمع .

وكل عام وحضراتكم بخير .... رمضان كريم .

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe