ينتظر الشارع المصري حركة تغيير المحافظين خلال الساعات المقبلة، والتي قال إنها ستشمل غالبية المحافظين الحاليين. ويصاحب هذا الانتظار آمال وتطلعات غالبية المواطنين في المحافظات المختلفة بأن يمنحهم القدر محافظًا يعي ويستوعب حجم وعِظم المسؤوليات التي كُلف بها، وأن يدرك أن هذا المنصب ليس تشريفًا أو تكريمًا له على خدمته السابقة، بل هو تكليف بمهمة وطنية جسيمة، وأنه اختير ليكون مسؤولًا عن تلك المحافظة، محملًا بأمانة ثقيلة، وسيأتي يوم يقف فيه أمام الله ليُحاسب عن كل ما صدر عنه من قول أو فعل تجاه مواطنيه منذ أن تطأ قدمه ديوان عام المحافظة لأول مرة وحتى لحظة مغادرته مع نهاية فترته.
والمحافظ الذي يريد أن يسجل اسمه في أنصع صفحات تاريخ محافظته، لا بد أن يؤمن بأنه قائد ميداني لا موظف بيروقراطي، وأن الشارع هو مكتبه الحقيقي، لا المكتب الفخم المكيف بديوان عام المحافظة. فلم يعد مقبولًا أن تُدار المحافظات من داخل المكاتب المغلقة أو عبر التقارير الورقية التي غالبًا ما تجمل الواقع أكثر مما تنقله بصدق وواقعية. فالمكاتب المكيفة تصنع قرارات باردة، أما الشارع فيصنع قرارات حقيقية. ومن لا يسمع ضجيج الأسواق لن يفهم أزمة الأسعار، ومن لا يقف في طوابير الخدمات لن يدرك معاناة المواطنين، ومن لا يتجول في القرى والمناطق الشعبية لن يشعر بالفجوة بين التقارير الرسمية والحياة الفعلية. فالمحافظ الذي يدير محافظته من الشارع يصنع ثقة مع مواطنيه، أما الذي يديرها من مكتبه المكيف فلا يصنع سوى فجوة جديدة بين الدولة والمواطنين، وعندها تتحول المشكلات إلى أزمات.
ولابد أن يعلم المحافظ أنه المسؤول الأول عن تفاصيل الحياة اليومية التي تمس مواطني محافظته، وعليه أن يبدأ يومه بجولة ميدانية قبل الانتقال إلى اجتماعاته الرسمية بمكتبه؛ ليسمع الشكوى مباشرة لا عبر وسطاء، ويرى المشكلة بعينه لا من خلال جماعة “كله تمام يا فندم”. فالفارق كبير بين مسؤول يسمع عن مشكلة، وآخر ينتقل فورًا إليها ويقف وسط المواطنين، مستشعرًا حجم معاناتهم وتأثرهم بها.
وعليه أن يمر في الصباح الباكر على أفران الخبز ليرى بنفسه أسباب التزاحم وطول الطوابير، ويطمئن على جودة رغيف الخبز ووزنه، ويتابع اليوم الأحد 15 فبراير 2026اليوم الأحد 15 فبراير 2026اليوم الأحد 15 فبراير 2026حالة الشوارع ونظافتها، ويبحث عن أسباب تكدس أكوام القمامة التي تعج بها بعض الشوارع. كما ينبغي له أن يزور المستشفيات والوحدات الصحية الريفية دون موعد مسبق، بعيدًا عن الزيارات المعدة للتصوير والتلميع، ليتابع مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، وطريقة التعامل معهم، ومدى الالتزام أو الإهمال في العمل، وحجم الإمكانات المتاحة التي تسهم في تقديم خدمة جيدة للمرضى وطالبي العلاج. وعليه كذلك أن يتجول في الأسواق ليرصد حالة الفوضى في الأسعار وانعدام الرقابة عليها.
وعلى المحافظين الذين سيتم تكليفهم أن يتعرفوا إلى مصادر الدخل في محافظاتهم، وأن يحددوا الميزة النسبية التي تتمتع بها كل محافظة، ويعملوا على استغلالها الاستغلال الأمثل لتعظيم الموارد، والمساهمة في حل مشكلات البطالة. كما ينبغي عليهم انتهاج سياسة واضحة للثواب والعقاب من خلال الرقابة والمتابعة الفعالة لأداء مجالس المدن والمراكز والقرى.
ولا يريد المواطنون من المحافظين الجدد وعودًا براقة أو كلمات معسولة بعيدة عن الواقع، أصبحت مكشوفة للجميع عبر الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، بل يريدون محافظًا يعتبر نفسه ممثلًا للمواطن أمام الحكومة، لا ممثلًا للحكومة أمام المواطن فقط.
وأدعو المحافظين إلى التخلص من “حملة المباخر” المضللين الموجودين في كل محافظة، الذين يسعون إلى الاستحواذ على أي محافظ جديد وتوجيهه بما يضمن استمرار مصالحهم الخاصة.
ونصيحة أخيرة لكل محافظ جديد يشمله التعديل: الشارع هو البوصلة، فكن دائمًا بين مواطنيك؛ فمن اقترب من الناس صنع شرعيته، ومن ابتعد عنهم كتب نهايته بيده.