الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 3 3 دقيقة visibility 119

محمد جرامون يكتب: بيدرو سانشيز ضمير حي يمشي على الأرض

schedule
محمد جرامون يكتب: بيدرو سانشيز ضمير حي يمشي على الأرض

المواقف والقرارات وحدهما من يستطيعان أن يضعا الحاكم في صفحات التاريخ؛ فإما أن تكون قائدًا حقيقيًا صاحب ضمير حي ومواقف مشرفة، فيذكرك التاريخ في أنصع صفحاته، أو تكون حاكمًا بلا موقف ولا رؤية ولا مبدأ، تمشي مع التيار وتنحني أمام ضغوط السياسة، فلا يذكرك التاريخ، أو يذكرك في صفحاته السوداء.

وفي زمن نعيشه الآن اختلت فيه المعايير، واندثرت فيه القيم، وتراجعت فيه الأخلاق، وأصبحت الشجاعة وقول الحق عملة نادرة جدًا، وصارت حسابات المصالح هي الحاكمة، أصبح وجود حاكم صاحب ضمير يقول ما يؤمن به ويفعل ما يمليه عليه ضميره، ولا يرضى بالخضوع لأي ضغوط أو إملاءات، أمرًا نادرًا. زمن أصبح فيه الصمت هو الغالب، والحياد هو الملاذ الآمن لمن لا يريد أن يدفع ثمن الكلمة أو يتحمل مسؤولية القرار.

وفي ظل هذا الزمن، وهذا المشهد الضبابي، يظهر لنا اسم القائد "بيدرو سانشيز"، رئيس وزراء إسبانيا، كصوت مختلف عن قادة أوروبا؛ صوت اختار أن ينحاز إلى ما يراه حقًا، صوت لا يقبل التعليمات والإملاءات من أمريكا وغيرها، صوت لا يساوم على مواقفه مهما كانت الإغراءات.

ولم يعد "سانشيز" مجرد رئيس حكومة يدير شؤون بلاده، بل تحول إلى نموذج لقائد يدرك أن المنصب مسؤولية، وأن التاريخ المضيء لا يتذكر سوى أصحاب المواقف الشريفة، القادرين على اتخاذ المواقف حين يتردد الآخرون، وعلى قول كلمة حق حين يصمت الكثيرون، ولا يعترف بالمتخاذلين الصامتين.

ولقد كان أمام هذا القائد، ابن مدينة مدريد، طريقان: إما أن يمشي في ركب المواقف الأوروبية الضعيفة المهادنة، الخاضعة في معظمها للسطوة الأمريكية الصهيونية، وهو الطريق السهل، أو يختار الطريق الأكثر صعوبة، الذي قد يكلفه خسائر سياسية، لكنه يجعله صاحب ضمير حي، وعندما ينظر إلى نفسه في المرآة يشعر بالرضا.

وهذا ما فعله "بيدرو سانشيز"، الذي تحول في لحظات فارقة من التاريخ إلى رمز للمواقف الشريفة، واستطاع أن يعيد إلى الأذهان فكرة أن السياسة ليست فقط مصالح وتحالفات، بل يمكن أن تكون أيضًا مبادئ وقيم. فلم يكن دفاع "سانشيز" عن غزة ورفضه لكل أشكال القتل والتدمير والتخريب الصهيوني لها مجرد تصريح أو موقف عابر، بل كان إعلانًا عن انحياز للإنسانية والضمير الحي في اللحظة الفارقة التي غض فيها الكثيرون الطرف عن قول كلمة حق.

كما أعلن رفضه لإشعال حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، واستنكر العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ولبنان، مؤكدًا أن الأمن لا يتحقق بالحروب بل بالعدل واحترام حقوق الشعوب.

لقد أصبح "سانشيز" أيقونة لمن يحكمه ضميره قبل حساباته، ومن يجرؤ على قول الحق حتى لو تعارضت مع مصالحه.

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه: هل يكون "بيدرو سانشيز" بداية لأن يستعيد الغرب ضميره وأخلاقيته التي تلاشت بنسبة كبيرة في ظل الخضوع للمواقف الأمريكية الصهيونية؟

وأخيرًا، نتمنى أن نرى قادة كثيرين يسيرون على درب "سانشيز"، بأن يكون ضميرهم الإنساني هو المحرك الأساسي لمواقفهم وقراراتهم، وهو ما سيضعهم في أنصع صفحات التاريخ.

 

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe