ربما يكون السؤال الأعمق ليس من الأكثر تأثيرًا ؟
بل …
هل الميديا اليوم تصنع القدوة بدلًا من أن يختارها المجتمع ؟
لأن هذه النقطة تحديدًا هي التي تغير شكل الثقافة في العالم كله …
إن أحببتم يمكننا أن نذهب للحوار في نقطة أكثر عمقًا .…
هل تراجع الأدب سبب في أزمة القيم المعاصرة ؟
هذا سؤال خطير جدًا ومثار جدل كبير بين المفكرين .…
( أعتقد فى صحة ذلك ... لكن تراجع الأدب جاء نتيجة منطقية لتوغل الميديا ووسائل التواصل فى حياة البشر وسرقة اوقاتهم التى كانت مخصصة للأدب والفنون والثقافة ) …
ربما يتفق الكثيرون مع هذا الطرح الذي ربما يكون دقيقا جدًا ..
على الجانب الآخر كثير من الباحثين يرون أن تراجع الأدب ليس سببه ضعف الأدب نفسه بل تغيّر البيئة الثقافية بسبب الميديا …
ويمكن فهم ما حدث من خلال ثلاث تحولات كبرى :
1. صراع الزمن والانتباه .…
الأدب يحتاج إلى:
وقتً + تركيزً+ خيال وتأمل …
بينما الميديا الحديثة صُممت لكي تخطف الانتباه بسرعة …
فالفرد اليوم قد يقضي ساعات يوميًا على تطبيقات مثل :
( تيك توك / انستجرام / فيس بوك )
وهذه المنصات تعمل بخوارزميات هدفها إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن وبالتالي لم يعد التنافس بين كتاب ورواية بل بين كتاب مدته 10 ساعات قراءة بتمعن وتفكر وتدبر ومئات المقاطع القصيرة التي تنتشر كما النار في العشيم خلال ساعة واحدة وربما أقل …
فالمعركة هنا ليست معركة أفكار ...
بل هي معركة وقت و شد انتباه ....
2. التحول من " ثقافة العمق " إلى " ثقافة السرعة " .…
فالأدب ينتمي إلى ما يمكن تسميته " ثقافة العمق " :
( نص طويل / بناء شخصيات / تأمل فلسفي .... )
بينما الميديا الحديثة تنتمي إلى " ثقافة السرعة " :
( مقطع قصير / فكرة مختصرة / انفعال سريع )
ولهذا أصبح من الصعب على كثير من الناس اليوم أن يقرأوا رواية كبيرة مثل الحرب والسلام لـ " ليو تولستوي " أو الأخوة كارامازوف لـ " فيودور دوستويفسكي "
ليس لأنهم لا يقدرونها… بل لأن نمط الإدراك نفسه قد تغير …
3. انتقال صناعة المعنى …
في الماضي ...
كانت الكتب والأدب والفلسفة هي التي تنتج المعاني الكبرى للحياة …
اليوم ...
أصبح كثير من المعاني يُصنع عبر أدوات جديدة :
( الفيديو / المؤثرين / الخطاب الإعلامي )
أي أن مركز إنتاج الثقافة انتقل من الكاتب إلى صانع المحتوى …
المفارقة العميقة
رغم كل ذلك فالأدب لم يمت ولم ينقرض …
بل حدث شيء هام :
الأدب فقد الجماهيرية لكنه احتفظ بالتأثير العميق …
فالأعمال الفكرية والأدبية الكبرى ما زالت تصنع العقول التي تقود العالم …
والأمثلة كثيرة
ولا يتسع المجال لذكرها وما زالت تؤثر في السياسة والفكر العالمي …
وهنا يبرز سؤال فلسفي مهم ..
فبناء على فكرتك يمكن أن نطرح سؤالًا أعمق :
هل الميديا مجرد وسيلة ترفيه ... أم أنها أصبحت " المربي الجديد للبشر" ؟ .
لأنه لو كانت الميديا هي المربي الجديد فهذا يعني أن الإنسان المعاصر يتشكل وعيه عبر الخوارزميات أكثر مما يتشكل عبر الفكر والثقافة …
أعتقد أن الأمر يستحق مزيدا من النقاش …